في وقت تتصاعد فيه المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يبرز تساؤل لافت في الأوساط الأمنية الإسرائيلية: لماذا لا تزال جبهة الحوثيين في اليمن هادئة حتى الآن رغم انخراط أطراف أخرى من محور المقاومة في المواجهة؟
تقدير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في تل أبيب حاول الإجابة عن هذا السؤال، مشيراً إلى أن جماعة الحوثي، رغم خطابها المتشدد وإعلانها المتكرر استعدادها لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، تتبنى في هذه المرحلة سياسة حذر محسوب، تحكمها اعتبارات أيديولوجية واستراتيجية واقتصادية معقدة.
ويرى التقدير أن الحوثيين، وعلى الرغم من علاقتهم الوثيقة بإيران وتأثرهم بأفكار الثورة الإسلامية عام 1979، لم يكونوا يوماً جزءاً عضوياً من منظومة القيادة الإيرانية، بل نشأوا أساساً كحركة يمنية محلية مرتبطة بالسياق السياسي والاجتماعي الداخلي لليمن. فالحركة التي تحولت إلى تنظيم مسلح عام 2004 تستمد شرعيتها وقوتها من مظالم تاريخية داخلية، ومن مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الاجتماعي في اليمن، أكثر من ارتباطه بمشروع إقليمي تقوده طهران.
وبحسب التقدير الإسرائيلي، فإن العلاقة بين الحوثيين وإيران تقوم على الشراكة الأيديولوجية والدعم العسكري، لكنها لا تصل إلى مستوى تحالف دفاعي يلزم الجماعة بالتدخل العسكري المباشر لحماية إيران، فبالنسبة للحوثيين، لا يشكل الدفاع عن طهران قضية وجودية، بل خياراً سياسياً يخضع لحسابات الربح والخسارة.
كما يلفت التقرير إلى أن التوقيت الحالي لا يعد مناسباً بالنسبة للحوثيين للدخول في مواجهة واسعة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعانيها المناطق الخاضعة لسيطرتهم في شمال اليمن، فالهجمات الأميركية والإسرائيلية خلال العامين الماضيين، والتي استهدفت البنية التحتية للموانئ ومواقع عسكرية حوثية، أدت إلى إضعاف موارد الجماعة المالية، في وقت تراجعت فيه المساعدات الخارجية وفرضت واشنطن عقوبات اقتصادية قاسية على الشبكات المالية المرتبطة بالحركة.
ويضيف التقدير أن هذه الضغوط الاقتصادية، إلى جانب نقل مؤسسات مالية رئيسية إلى مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، ساهمت في تفاقم أزمة الإيرادات لدى سلطة الحوثيين، الأمر الذي قد يهدد استقرارها الداخلي.
وفي ظل هذه الظروف، فإن فتح جبهة عسكرية جديدة قد يعرض الجماعة لضربات إضافية قد تقوض قدرتها على إدارة المناطق التي تسيطر عليها.
ومن بين العوامل التي تدفع الحوثيين إلى ضبط النفس أيضاً، بحسب التقرير، سلسلة الضربات التي استهدفت قيادات عسكرية بارزة في التنظيم خلال عام 2025، إضافة إلى الضربات التي طالت قيادات إيرانية في إطار العملية التي أطلق عليها اسم "زئير الأسد". ويرى معدو التقدير أن هذه العمليات أظهرت قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف القيادات العليا لمحور إيران، وهو ما قد يدفع الحوثيين إلى تجنب المخاطرة بفقدان قياداتهم في هذه المرحلة الحساسة.
ورغم ذلك، لا يستبعد التقرير أن يتغير موقف الحوثيين لاحقاً تبعاً لتطورات الحرب. فقد يؤدي تصاعد الضغوط على إيران أو تدخل دول خليجية بشكل مباشر في القتال إلى دفع الجماعة نحو تصعيد محدود، ربما عبر استهداف أهداف في منطقة الخليج بدلاً من استهداف إسرائيل أو القوات الأميركية مباشرة، في محاولة لتحقيق توازن بين إظهار الدعم للمحور الإيراني وتجنب رد عسكري واسع ضدهم.
ويشير التقدير كذلك إلى أن التصريحات الأخيرة لزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، والتي أكد فيها أن "إصبع الجماعة على الزناد"، لا تعكس بالضرورة نية فورية للانخراط في الحرب، بل قد تكون رسالة ردع تهدف إلى منع خصوم المحور من استغلال ما يرونه لحظة ضعف.
وفي المقارنة بين الحوثيين وحزب الله، يرى التقرير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة العلاقة مع إيران؛ فحزب الله يعد جزءاً عضوياً من المنظومة العسكرية والسياسية لطهران، وبالتالي فإن معركتها تعد بالنسبة له معركة وجودية، بينما ينظر الحوثيون إلى تدخلهم في الحرب على أنه خيار قد يهدد مشروعهم السياسي في اليمن إذا أدى إلى رد عسكري مدمر.
ويخلص التقدير الإسرائيلي إلى أن الهدوء الحالي في الجبهة اليمنية لا ينبغي تفسيره على أنه موقف دائم، بل هو نتيجة لحسابات ظرفية قابلة للتغير، محذراً من أن عنصر المفاجأة الذي استُخدم مراراً منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023 لا يزال عاملاً حاضراً في سلوك أطراف محور المقاومة.










