20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حين يُصنع النصر بالكلمات… حرب إيران بين الحقيقة والدعاية

لن يكون من المجازفة كثيرًا التنبؤ بما سيحدث عند نهاية الحرب الجارية مع إيران. فحين تسدل الستارة على هذه المواجهة ـ التي يصح وصفها بأنها حرب كاملة وليست مجرد عملية أو ضربة عسكرية

بقلم: أخبار ومتابعات
١١ مارس ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
20 مشاهدة
حرب إيران

حرب إيران

 

لن يكون من المجازفة كثيرًا التنبؤ بما سيحدث عند نهاية الحرب الجارية مع إيران . فحين تسدل الستارة على هذه المواجهة ـ التي يصح وصفها بأنها حرب كاملة وليست مجرد عملية أو ضربة عسكرية ـ سيخرج على الأرجح اثنان على الأقل من القادة الثلاثة المعنيين ليعلنوا النصر. سيؤكد كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو أن الحرب انتهت بانتصار حاسم، وأن تهديدًا وجوديًا قد أُزيل، وأن الأهداف الاستراتيجية تحققت بالكامل، بل وربما سيذهب الخطاب السياسي إلى حد الادعاء بأن «النظام الشرير» في طهران قد أُطيح به أو تم تحجيمه جذريًا.

وفي مقال رونين بيرغمان – عن صحيفة يديعوت أحرونوت قال ، لكن المشهد قد لا يقتصر على هذين الصوتين. فهناك لاعب ثالث مرشح للدخول إلى معادلة إعلان النصر، وهو مجتبى خامنئي، الذي يُنظر إليه داخل إيران بوصفه الوريث المحتمل لسلطة والده المرشد الأعلى علي خامنئي. ومن منظور النظام في طهران، الذي تعامل مع هذه الحرب باعتبارها معركة بقاء وجودية، فإن مجرد استمرار النظام في الحكم، إذا تحقق، سيُعد بحد ذاته إنجازًا استراتيجيًا. وفي السياق الإيراني الداخلي، قد يُقدَّم بقاء الدولة والنظام كدليل على الانتصار في مواجهة تحالف دولي واسع.

حسابات خاطئة

حتى الآن، لا أحد يستطيع الجزم بموعد نهاية هذه الحرب. في إسرائيل، تدور تقديرات داخل المؤسسة الأمنية تشير إلى أن الحرب قد تستمر لأسابيع، وهو تقدير أشار إليه الرئيس الأمريكي الحالي ترامب في أكثر من تصريح. لكن، في الوقت نفسه، قد تنتهي فجأة في أي لحظة، تمامًا كما حدث في عمليات سابقة باغتت فيها القرارات السياسية المؤسسة العسكرية.

يوضح مصدر أمني إسرائيلي أن الحروب عادةً ما تُدار وفق أهداف واضحة، ويُحدد موعد انتهائها عندما تتحقق تلك الأهداف أو عندما يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بشروط محددة. لكن هذه الحرب، بحسب المصدر، لا تسير وفق هذا المنطق التقليدي. فالأهداف غير محددة بدقة، والقرار النهائي يبدو مرهونًا بشخص واحد فقط.

ويضيف المصدر أن الحلفاء الأمريكيين أنفسهم لا يقدمون إجابات واضحة حول مستقبل العمليات العسكرية، ليس بدافع السرية فحسب، بل لأنهم هم أيضًا يتحركون وفق تعليمات سياسية متغيرة، ولا يعرفون على وجه اليقين كيف ستتطور الأحداث.

حرب بلا أهداف

بحسب مسؤول أمني مطلع على التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، فإن الحرب الحالية دخلت في حالة من الارتباك الاستراتيجي. فالمواجهة التي تشارك فيها قوتان عسكريتان ضخمتان، تمتلكان مئات الطائرات وآلاف الجنود وأنظمة الصواريخ المتطورة، تُدار عمليًا وفق قرار سياسي مركزي واحد يحدد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي وكيف يُعلن النصر.

ويقول المصدر إن هذا النمط من إدارة الحرب يحولها بعد الضربة الأولى إلى حالة من التخبط، مهما بدت النجاحات العسكرية الأولى كبيرة أو مثيرة للإعجاب. ومع مرور الوقت بدأت التحديات تظهر بشكل أوضح داخل إسرائيل.

فالعمليات العسكرية، وفق اعترافات داخل المؤسسة الأمنية، لم تكن جميعها ناجحة كما جرى تصويرها في الإعلام. فهناك هجمات لم تحقق أهدافها، وصعوبات عملياتية في بعض الجبهات، وتحديات أثرت على قدرات الدفاع الجوي. كما أثارت بعض الضربات ـ مثل استهداف منشآت مرتبطة باحتياطيات النفط ـ غضبًا داخل الإدارة الأمريكية.

مفاجآت الميدان

قبل اندلاع الحرب، اعتمدت التقديرات الإسرائيلية والأمريكية على مجموعة من الافتراضات التي تبين لاحقًا أنها لم تكن دقيقة بالكامل. أول هذه الافتراضات كان توقع اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في شوارع طهران ضد النظام، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

أما الافتراض الثاني فكان مرتبطًا بتدخل حزب الله في الحرب. صحيح أن التوقعات أشارت إلى احتمال انخراطه، لكن حجم ومستوى المشاركة فاجأ دوائر القرار في إسرائيل.

الافتراض الثالث كان أن الرد الإيراني سيتركز على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج. لكن المفاجأة جاءت عندما استهدفت إيران، بحسب التقارير الأمنية، مناطق مدنية في أكثر من عشر دول، بينها دول أوروبية، وهو تطور لم يكن متوقعًا في الحسابات الإسرائيلية أو الأمريكية.

أما المفاجأة الرابعة فكانت داخل إيران نفسها، حيث تمكن النظام من إدارة انتقال السلطة من المرشد الأعلى علي خامنئي إلى ابنه مجتبى بطريقة بدت منظمة نسبيًا، وهو سيناريو لم يكن حاضرًا بقوة في تقديرات أجهزة الاستخبارات.

لغز اليورانيوم

القضية الأكثر حساسية في النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تتعلق بكمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، تقدر بنحو 440 كيلوغرامًا. هذه الكمية تقترب من مستوى التخصيب العسكري، وتكفي نظريًا لإنتاج ما يصل إلى عشر قنابل نووية.

وتشير التقديرات إلى أن هذه المواد مخزنة داخل ملجأ تحت الأرض في منشأة نووية قرب مدينة أصفهان. وقد تعرضت مداخل هذا الملجأ لأضرار نتيجة هجوم بصواريخ كروز خلال عملية عسكرية سابقة عُرفت باسم «الأسد الصاعد».

لكن المشكلة الأساسية أن تدمير هذه المواد من الجو شبه مستحيل، لأن اليورانيوم محفوظ داخل حاويات خاصة تحتاج إلى معالجة كيميائية معقدة وطويلة الأمد للتخلص منها بشكل آمن. لذلك فإن الخيارات المتاحة محدودة، إما الادعاء بضياع هذه المواد أو منع الوصول إليها بالكامل.

مراقبة مستمرة

في الأشهر الأخيرة، رصدت أقمار التجسس الأمريكية عمليات حفر واسعة في موقع أصفهان. وخلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى أن إيران قد تكون قادرة على استخراج مخزونها من اليورانيوم المخصب من داخل المنشأة المتضررة.

وبحسب مصادر استخباراتية تحدثت إلى صحيفة نيويورك تايمز، فإن إيران تمكنت بالفعل من الوصول إلى هذا المخزون. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح مدى سرعة نقل المواد أو ما إذا كان بإمكانها الإفلات من نظام المراقبة الذي تفرضه الولايات المتحدة وإسرائيل على الموقع.

وأكد مسؤولون أمريكيون أن أجهزة الاستخبارات تراقب الموقع بشكل دائم، وأن أي محاولة لنقل اليورانيوم ستُرصد فورًا. ومع ذلك، فإن هذا المخزون قد يلعب دورًا حاسمًا إذا قررت إيران تسريع برنامجها النووي.

عملية مستحيلة

ذكر موقع سيمفور أن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا خيار تنفيذ عملية عسكرية خاصة للاستيلاء على اليورانيوم ونقله إلى مكان آمن. ولو نجحت مثل هذه العملية فإنها ستوجه ضربة قاسية للبرنامج النووي الإيراني.

لكن المشكلة تكمن في كلمة واحدة: النجاح. فالتقارير الأمريكية تشير إلى أن هذه العملية نوقشت بالفعل في يونيو الماضي، لكن قائد القيادة المركزية الأمريكية رفض تنفيذها، معتبرًا أنها عالية الخطورة وفرص نجاحها محدودة للغاية.

فالعملية تتطلب إنزال قوة كوماندوز في عمق الأراضي الإيرانية، ثم تأمين الوقت الكافي للوصول إلى الحاويات ونقلها قبل الانسحاب، وكل ذلك في ظل علم الإيرانيين المسبق بإمكانية حدوث مثل هذا السيناريو.

رواية مضللة

في النهاية، لا تغير هذه الحقائق من المشكلة الأساسية: الرواية الرسمية التي تُقدَّم للجمهور. فخطر اليورانيوم المخصب كان قائمًا قبل عملية «الأسد الصاعد»، وبقي قائمًا بعدها أيضًا.

وعندما أعلن ترامب أن المواقع النووية الإيرانية «دُمرت بالكامل»، وأكد نتنياهو أن التهديد النووي والصاروخي قد أُزيل لأجيال، كانت الاحتفالات بالنصر لا تزال في بدايتها. لكن الواقع، بحسب التحليل الأمني، كان أكثر تعقيدًا بكثير.

فالعملية لم تصب قلب المشروع النووي الإيراني بشكل حاسم، ولم تنهِ التهديد الذي استُخدم مبررًا للحرب.

أهداف متغيرة

في الوقت الذي حاول فيه كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية تحديد أهداف الحرب حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي، استمرت تصريحات ترامب في تقديم تفسيرات مختلفة لما ينبغي تحقيقه.

ففي الأيام الأولى للحرب دعا ترامب إلى انتفاضة شعبية داخل إيران لإسقاط النظام. لكن مع غياب أي احتجاجات واسعة، تغير الخطاب تدريجيًا، وأصبح التركيز منصبًا على استسلام إيران أو تراجعها عن برنامجها النووي.

في المقابل، قدمت المتحدثة باسم البيت الأبيض تصورًا أكثر تفصيلًا للأهداف العسكرية، شمل تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتقويض قدراتها الإنتاجية، وتدمير أسطولها البحري، وإنهاء قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين، ومنعها من الحصول على سلاح نووي.

إنجاز بحري

في مرحلة التخطيط للحرب، جرى تقسيم الأدوار بين إسرائيل والولايات المتحدة. وبحسب مصادر مطلعة، تقرر أن تتولى القوات الأمريكية التعامل مع الأسطول الإيراني لأسباب عملياتية.

ويقول مسؤول رفيع إن القوات الأمريكية تمكنت بالفعل من تدمير معظم الأسطول الإيراني. غير أن هذا الإنجاز، رغم أهميته العسكرية، لم يكن جزءًا أساسيًا من أهداف الحرب في البداية.

لكن بعد تحقيقه، بدأ الحديث عنه باعتباره أحد أبرز أهداف الحرب، وهو ما أثار تساؤلات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول كيفية تحوله فجأة إلى محور رئيسي في الخطاب السياسي.

تبعية متزايدة

في نهاية المطاف، يبدو أن الدور الإسرائيلي في تحديد نهاية الحرب محدود للغاية. فكلما ازداد تأثير نتنياهو في دفع ترامب نحو اتخاذ قرار الحرب، تراجع تأثير إسرائيل في قرار إنهائها.

داخل المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية، لا يشارك المسؤولون العسكريون في تحديد شروط النصر أو في صياغة استراتيجية الخروج من الحرب. ويعكس ذلك، بحسب مراقبين، تغيرًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

ومع ابتعاد الهدفين اللذين يمكن أن يغيرا مسار الحرب جذريًا ـ أي إسقاط النظام الإيراني أو مصادرة مخزون اليورانيوم المخصب ـ يصبح هذا الاعتماد الكبير على القرار الأمريكي عامل ضغط إضافيًا على إسرائيل بدلًا من أن يكون مصدر قوة لها.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حين يُصنع النصر بالكلمات… حرب إيران بين الحقيقة والدعاية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°