4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

اليمين الأمريكي يحذر ترامب: الحرب مع إيران تهدد بتكرار سيناريو "أزمة السويس"

قال الكاتب البريطاني أمبروز إيفانز-بريتشارد، إن الرئيس الأمريكي ترامب يواجه خطر الوقوع في أزمة سياسية واقتصادية قد تشبه ما حدث خلال أزمة السويس عام 1956 إذا استمر التصعيد العسكري مع إيران لفترة أطول

بقلم: شيماء مصطفى
١٢ مارس ٢٠٢٦
10 دقائق قراءة
21 مشاهدة
ترامب يقود أمريكا نحو أزمة سويس جديدة تهدد الاقتصاد العالمي

ترامب يقود أمريكا نحو أزمة سويس جديدة تهدد الاقتصاد العالمي

قال الكاتب البريطاني أمبروز إيفانز-بريتشارد، المحرر الدولي لشؤون الأعمال والاقتصاد العالمي، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه خطر الوقوع في أزمة سياسية واقتصادية قد تشبه ما حدث خلال أزمة السويس عام 1956 إذا استمر التصعيد العسكري مع إيران لفترة أطول. وأوضح أن هذه المواجهة قد تتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع طويل دون أن تتعرض لارتدادات اقتصادية خطيرة. وأضاف أن التاريخ يبين أن التفوق العسكري لا يمنع وقوع هزيمة سياسية عندما يتم تجاهل التداعيات الاقتصادية.

وأضاف في تقرير بصحيفة ديلي تلجراف البريطانية، والمقربة من اليمين الأمريكي، أن أزمة السويس عام 1956 انتهت إلى واحدة من أسوأ لحظات الإذلال السياسي لبريطانيا وفرنسا منذ الحرب العالمية الثانية، رغم أنهما امتلكتا تفوقاً عسكرياً واضحاً في تلك المواجهة. وأشار إلى أن الحكومتين فشلتا آنذاك في تقدير التأثير الاقتصادي للأزمة، ما أدى إلى هروب رؤوس الأموال ووقوع ضغوط هائلة على أسعار الصرف الثابتة. كما كشفت الأزمة أن لندن وباريس لم تفهما التحولات السياسية التي ظهرت في العالم بعد نهاية عصر الإمبراطوريات.

وأوضح التقرير أن السيناريو نفسه قد يتكرر إذا استمر الصراع الحالي دون حسم سريع. فقد ارتفعت الأسواق قليلاً بعد إعلان ترامب أن الحرب “اكتملت إلى حد كبير”، لكن الوقائع على الأرض لا تدعم هذا التفاؤل. فإيران ما زالت تقاتل، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام خطر اضطراب كبير في إمدادات الطاقة.

أزمة الطاقة

بدأت الحرب في وقت لا يمتلك فيه الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي سوى مخزون يكفي الاستهلاك لنحو واحد وعشرين يوماً فقط. وفي المقابل تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الصين تمتلك احتياطياً يكفي لما لا يقل عن مئة وعشرين يوماً من الاستهلاك. كما تواجه الولايات المتحدة نقصاً في عدد السفن الحربية القادرة على حماية الملاحة التجارية في الخليج.

وتشير المعطيات إلى أن معظم الاحتياطي الروسي العائم من النفط الخام، الذي يبلغ نحو عشرين مليون برميل، قد جرى استخدامه بالفعل خلال الأشهر الماضية. كما أن روسيا تصدر حالياً أقصى طاقتها الإنتاجية، الأمر الذي يجعل قدرتها على تعويض أي نقص إضافي في السوق العالمية محدودة للغاية. وهذا الوضع يزيد من هشاشة أسواق الطاقة في ظل استمرار التوترات.

وقدّر محللان في أحد البنوك الأوروبية الكبرى أن الحرب عطلت نحو سبعة عشر مليون برميل يومياً من إمدادات النفط العالمية، وهو ما يعادل نحو سدس الاستهلاك العالمي. ويبدو الوضع أكثر تعقيداً في سوق الغاز الطبيعي المسال، حيث تشير المؤشرات إلى اضطرابات أكبر في سلاسل الإمداد. ويعكس ذلك حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه استمرار الصراع في منطقة تعد مركزاً رئيسياً للطاقة العالمية.

تعطّل الإنتاج

تعرضت دول الخليج المنتجة للنفط لسلسلة اضطرابات متتالية في الإنتاج والتخزين خلال الأيام الأخيرة. فقد أعلن العراق أنه استنفد كامل قدراته التخزينية تقريباً، ما اضطره إلى خفض إنتاجه بنحو ثلاثة ملايين برميل يومياً. كما بدأت الكويت اتخاذ إجراءات مماثلة للحد من تدفقات الإنتاج.

ومن المتوقع أن تتخذ أبوظبي خطوات مشابهة خلال أيام إذا استمرت الأزمة دون انفراج. ويعكس ذلك حجم الضغوط التي تواجهها دول الخليج نتيجة تعطل حركة التصدير عبر الخليج العربي. كما يظهر مدى الترابط الوثيق بين الاستقرار الأمني في المنطقة واستقرار أسواق الطاقة في العالم.

أما السعودية فقد اضطرت إلى إغلاق عدد من أكبر حقولها النفطية نتيجة هجمات الطائرات المسيّرة. وتشمل هذه الحقول السفانية ومرجان وظلوف وأبو صفا، وهو ما أدى إلى خفض الإنتاج بأكثر من مليوني برميل يومياً. ويقدّر خبراء الطاقة أن نحو سبعة ملايين برميل يومياً من الإنتاج قد توقف بالفعل في أنحاء المنطقة.

مخاطر تقنية

يمكن للسعودية تحويل جزء من صادراتها النفطية عبر خط الأنابيب الممتد من شرق البلاد إلى غربها وصولاً إلى البحر الأحمر. غير أن ميناء ينبع يمتلك قدرة محدودة على استيعاب كميات كبيرة من النفط. كما أنه يقع ضمن مدى هجمات الطائرات المسيّرة التي يشنها الحوثيون.

وتشير التحليلات إلى أن إغلاق الحقول النفطية لفترات طويلة يخلق اضطرابات معقدة في السوق. ففي الأسابيع الأولى يبدأ التأثير في ما يعرف بفيزياء المكامن النفطية، وهي العمليات الجيولوجية التي تحافظ على تدفق النفط داخل الحقول. ويعني ذلك أن إعادة تشغيل الإنتاج قد تصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وقال أحد كبار محللي الطاقة في مؤسسة دولية متخصصة إن إعادة تشغيل حقول بهذا الحجم ستكون عملية تقنية هائلة. وأضاف أن الأضرار التي تلحق بضغط الآبار وخطوط التدفق قد تصبح دائمة إذا استمر التوقف أكثر من شهر. وهذا يعني أن بعض الخسائر الإنتاجية قد تتحول إلى خسائر طويلة الأمد.

انفجار الأسعار

يحذر خبراء الطاقة من احتمال وصول أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة خلال الفترة المقبلة. فقد أشار أحد كبار مستشاري الطاقة إلى أن وصول سعر النفط إلى مئتي دولار للبرميل خلال عام 2026 ليس احتمالاً مستبعداً. ويعكس هذا التقدير حجم القلق المتزايد في أسواق الطاقة العالمية.

ويمتد التأثير أيضاً إلى سوق الغاز الطبيعي. إذ تشير تقديرات مالية إلى أن صناديق الاستثمار بدأت تراهن على ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا إلى نحو مئتي يورو لكل ميغاواط ساعة بحلول شهر سبتمبر. وكان السعر قبل أسابيع قليلة فقط يدور حول ستة وعشرين يورو.

وتعني هذه القفزة المحتملة أن الأزمة قد تتحول إلى صدمة طاقة عالمية واسعة. كما تعكس حجم المخاطر التي قد تنشأ إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ويعد هذا المضيق أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في العالم.

مأزق الملاحة

اقترح ترامب إنشاء صندوق بقيمة عشرين مليار دولار لتغطية إعادة التأمين على الشحن البحري في الخليج أثناء الحرب. وسيتم تمويل هذا الصندوق عبر مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية. إلا أن خبراء السوق يرون أن هذا الاقتراح يكشف ضعف فهم الإدارة الأمريكية لتعقيدات سوق الملاحة والتأمين البحري العالمي.

وقالت محللة استخباراتية سابقة إن تحريك الأسطول الضخم من السفن العالقة على جانبي مضيق هرمز قد يتجاوز الحدود القانونية للمخاطر التي تستطيع الوكالة الأمريكية تحملها. ويبلغ هذا الحد نحو مئتين وخمسة مليارات دولار. وهذا يعني أن المخاطر المالية وحدها قد تعرقل أي محاولة لإعادة تشغيل حركة الملاحة بسرعة.

وأضافت أن إيران لا تزال تمتلك قدرات عسكرية قادرة على تهديد السفن في الخليج. وتشمل هذه القدرات طائرات مسيّرة بعيدة المدى إضافة إلى زوارق سريعة محملة بالمتفجرات. ويجعل ذلك الملاحة البحرية في المنطقة عرضة لمخاطر أمنية كبيرة.

تحرك الصين

شهدت الأزمة تطوراً جديداً مع إرسال الصين سفينة استخبارات إلكترونية متطورة تحمل اسم لياووانغ-1 إلى المنطقة. وقد رافقت السفينة مجموعة من المدمرات الحربية الصينية. ويعكس هذا التحرك دخول بكين بصورة مباشرة إلى ساحة التوترات الإقليمية.

وتشير تقارير عسكرية إلى أن أجهزة الاستشعار الكهرومغناطيسية الموجودة على متن السفينة قادرة على التقاط كميات ضخمة من البيانات. وقد تتيح هذه التكنولوجيا نقل معلومات فورية حول تحركات الطائرات الأمريكية والإسرائيلية. وهذا يمنح إيران قدرة أكبر على متابعة مجريات المعركة.

ووصف أحد الخبراء هذه السفينة بأنها أشبه بحاسوب عملاق عائم يعالج كميات هائلة من البيانات لرسم خريطة ساحة المعركة غير المرئية. ويشير هذا التطور إلى تحول الصراع إلى ساحة تنافس استخباراتي وتقني بين القوى الكبرى. كما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ما يتجاوز حدود الشرق الأوسط.

حدود القوة

تمتلك الولايات المتحدة حالياً نحو اثنتي عشرة سفينة حربية فقط في منطقة الخليج. وتستخدم هذه السفن أساساً لتنفيذ العمليات العسكرية الجارية. لكن تأمين حركة ناقلات النفط يحتاج إلى أسطول لا يقل عن عشرين سفينة حربية إضافة إلى كاسحات ألغام أوروبية.

ويرى التقرير أن هذه المعطيات تكشف واقعاً عسكرياً جديداً. فالولايات المتحدة لم تعد القوة المهيمنة القادرة على نشر قوتها العسكرية في عدة مناطق من العالم في الوقت نفسه كما كانت في الماضي. وعلى الرغم من امتلاكها تقنيات عسكرية متقدمة، فإن القدرة على الهيمنة الشاملة تراجعت مقارنة بالعقود السابقة.

ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي بلغت ميزانية الدفاع الأمريكية نحو 6.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان. أما اليوم فلا تتجاوز هذه النسبة نحو 3.4 في المئة. كما تقلص حجم الأسطول البحري الأمريكي إلى ما يقارب نصف ما كان عليه في تلك الفترة.

ارتداد داخلي

يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة محصنة نسبياً من صدمة الطاقة لأنها أصبحت منتجاً كبيراً للنفط والغاز. وقال إن ارتفاع الأسعار العالمية لن يؤثر كثيراً في الاقتصاد الأمريكي. غير أن خبراء الطاقة يرون أن هذا التقدير غير دقيق.

فالنفط سلعة عالمية موحدة السعر، ما يعني أن ارتفاعه يؤثر في جميع الدول بما فيها الولايات المتحدة. كما أن البلاد لا تزال تستورد نحو تسعة ملايين برميل يومياً من المنتجات النفطية أو النفط الثقيل لتعويض النفط الخفيف المنتج محلياً. وهذا يجعل الاقتصاد الأمريكي عرضة لتقلبات السوق العالمية.

كما أن نمط الاستهلاك في الولايات المتحدة يزيد من حساسية الاقتصاد لأسعار الوقود. فالأمريكيون يقودون سياراتهم لمسافات سنوية تعادل تقريباً ضعف ما يقوده الأوروبيون. كما أن كفاءة الوقود في السيارات الأمريكية أقل بنحو النصف مقارنة بأوروبا.

اختبار ترامب

ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة من 2.90 دولار للجالون في منتصف فبراير إلى نحو 3.50 دولار حالياً. كما ارتفع سعر الديزل ليصل إلى نحو 4.60 دولار للجالون. وارتفعت أسعار وقود الطائرات بوتيرة أكبر.

وقد يؤدي ذلك إلى ضغوط كبيرة على الاقتصاد الأمريكي. فارتفاع تكاليف الطاقة يأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تفاوت اجتماعي متزايد وتسارع في فقدان الوظائف. كما تواجه الطبقات ذات الدخل المنخفض أزمة متفاقمة في تكاليف المعيشة.

ويرى التقرير أن وصول سعر النفط إلى 150 دولاراً للبرميل قد يهز القاعدة الانتخابية لترامب. أما وصوله إلى 200 دولار فقد يهدد مستقبله السياسي بالكامل. وفي ظل هذا المشهد يبقى السؤال المطروح: هل يسارع ترامب إلى إعلان النصر وإنهاء الحرب، أم يستمر في التصعيد رغم المخاطر الاقتصادية والسياسية؟

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال