20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: حين يُطلَب من وطنٍ أن يَسْتَسْلِم… ويُسمَّى ذلك سلاماً

في لحظات الحروب والتعب والانهيار، يَرتفع دائماً صوتٌ واحد: نريد السَّلام، وهو مطلبٌ إنسانيٌّ طبيعيّ، فالشعوب التي تُقصف مدنها وتُهدَّم بيوتها

بقلم: د. ليون سيوفي
١٢ مارس ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
52 مشاهدة
تعبيرية

تعبيرية

في لحظات الحروب والتعب والانهيار، يَرتفع دائماً صوتٌ واحد: نريد السَّلام، وهو مطلبٌ إنسانيٌّ طبيعيّ، فالشعوب التي تُقصف مدنها وتُهدَّم بيوتها لا يمكن إلا أن تحلم بالهدوء والاستقرار.

لكنَّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في طلب السلام، بل في الخلط الخطير بين السَّلام والاستسلام، فالسَّلامُ الحقيقي لا يُفرض على شعبٍ مكسور، ولا يُكتب تحت ضغط النار، ولا يُصاغ على مقاس المنتصر وحده.
 

السَّلامُ الحقيقي هو اتفاقٌ يحفظ الكرامة والسيادة ويُنهي أسباب الصراع، أما الاستسلام فشيءٌ آخر تماماً، إنّه قبولُ شروط القوّة الأقوى بلا نقاش، والتخلّي عن عناصر القوّة والحقوق مقابل وقف النار فقط.

السَّلامُ يقوم على توازنٍ بين الأطراف، أما الاستسلام فيقوم على خضوع طرفٍ كامل لإرادة طرفٍ آخر.

السَّلامُ يحفظ كرامة الدولة، أما الاستسلام فيحوّلها إلى كيانٍ يعيش تحت الوصاية والتهديد الدائم، ولهذا لم يكن السلام في تاريخ الأمم هديةً تُمنح للضعفاء، بل كان دائماً نتيجة توازنٍ يفرض احترام الجميع.

اليوم، في لبنان، يكثر الكلام عن السلام وكأنّه الحلّ السحري لكل الأزمات، لكنّ السؤال الذي يتهرّب منه كثيرون هو: أيُّ سلامٍ يُطلب من لبنان؟ هل هو سلامٌ يحفظ سيادة الدولة وأرضها وقرارها؟ أم سلامٌ يُطلب فيه من لبنان أن يتخلّى عن كلّ عناصر قوّته مقابل وعدٍ غامض بالهدوء؟

إنّ الشعوب المُرهَقة قد تقبل بأيّ شيء يوقف الحرب، لكنّ الدول التي تفكّر بمستقبلها تعرف أنَّ السلام الذي يُبنى على الخوف لا يدوم.

فالتاريخ مليء بدروسٍ واضحة: الاستسلام لا يمنع الحروب… بل يؤجّلها فقط، لأنّ الطرف الأقوى سيعود دائماً ليطلب المزيد، أما السلام الحقيقي فهو الذي يُنهي الصراع لأنه يعالج جذوره، ويقيم توازناً يمنع عودته.

ولهذا فإنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الأزمات هو أن يتحوّل شعار السلام إلى غطاءٍ ناعمٍ للاستسلام، دون أن يدرك الناس ذلك، فليس كلُّ اتفاقٍ يُوقَّع هو سلام، وليس كلُّ وقفٍ للحرب هو نهاية للصراع.

أحياناً، يكون السلام الحقيقي قرار قوّةٍ وحكمة، وأحياناً أخرى يكون ما يُسمّى سلاماً مجرد استسلامٍ مكتوب بلغةٍ دبلوماسية مهذّبة، والفرق بين الاثنين ليس في الكلمات التي تُعلن، بل في الحقوق التي تُحفظ… أو تُسلَّم.

ولهذا يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كلّ لبناني على نفسه قبل أن يرفع شعار السلام: هل نريد سلاماً يحفظ الوطن… أم هدنةً طويلة مع الاستسلام؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: حين يُطلَب من وطنٍ أن يَسْتَسْلِم… ويُسمَّى ذلك سلاماً - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°