أكد سائد حسونة، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، في تصريحات خاصة وحصرية لموقع "180 تحقيقات"، أن توثيق النزاعات الحديثة لم يعد يعتمد على الوسائل التقليدية فحسب، بل أصبحت التكنولوجيا الرقمية جزءاً أساسياً في بناء السردية القانونية والإنسانية.
وأوضح حسونة أن الأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي تلعب دوراً متقدماً في رصد الهجمات على المناطق السكنية في غزة، حيث تتيح الصور عالية الدقة مقارنة المواقع قبل الحدث وبعده بدقة متناهية، وعندما تُدمج هذه الصور مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يصبح بالإمكان تحليل أنماط الدمار وتصنيف المباني المتضررة ورصد حجم الانهيار، مما يوفر قاعدة بيانات تحليلية تساعد الحقوقيين في قياس مدى توافق العمليات العسكرية مع قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة ما يتعلق بمبدأي "التناسب والتمييز" بين الأهداف المدنية والعسكرية.
الهاتف المحمول وسيلة إنقاذ سردي
ويرى خبير الإعلام الرقمي سائد حسونة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً محورياً في نقل الصورة الإنسانية من غزة إلى العالم، حيث تحول الهاتف المحمول إلى أول كاميرا توثيق وأهم وسيلة للإنقاذ السردي، ما ينشره المدنيون والصحفيون يخلق تدفقاً بصرياً مباشراً يجعل الحدث حاضراً عالمياً خلال دقائق، مما يضغط على المؤسسات الإعلامية الكبرى لإعادة النظر في تناولها للأحداث. ومع ذلك، ينبه حسونة إلى أن هذا الفضاء المفتوح يتطلب مستوى عالياً من "التحقق الرقمي" عبر مطابقة المعالم الجغرافية وتحليل الظلال الزمنية وبيانات النشر، لضمان دقة المحتوى المنشور ومواجهة أي تضليل محتمل في ظل كثافة المواد المتداولة رقمياً.
توثيق استهداف البنية التحتية
أشار سائد حسونة في تصريحاته لـ "180 تحقيقات" إلى أن التقنيات الحديثة توفر قدرة غير مسبوقة على بناء ملفات رقمية دقيقة حول استهداف البنية التحتية، مثل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، ويتم ذلك عبر الجمع بين صور الأقمار الصناعية ومواد الفيديو المحلية وسجلات التوقيت، مما ينتج دليلاً بصرياً متراكماً يصعب تجاهله، كما أكد حسونة أن تحليل البيانات الضخمة (Big Data) يساهم في بناء نماذج تقديرية لحجم الدمار في الأحياء وعدد المباني الخارجة عن الخدمة، وربطها زمنياً بمراحل التصعيد، مما يمنح الجهات الحقوقية والبحثية أدوات قوية لتحديد المسؤوليات القانونية المحتملة بناءً على أنماط الاستهداف المتكررة.
قوة التحقيقات مفتوحة المصدر OSINT
وفي ختام رؤيته التقنية، شدد سائد حسونة على أهمية التحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر (OSINT) كأحد أهم أدوات التوثيق الحديثة، حيث تعتمد على تحليل المعلومات المتاحة علناً من فيديوهات وبيانات ملاحة وصور فضائية لإعادة بناء الحدث من مصادر متعددة.
وأوضح حسونة أن قوة "OSINT" تكمن في قدرتها على كشف تفاصيل كانت حكراً على الأجهزة الاستخباراتية، مما يسمح بإنتاج تسلسل منطقي للوقائع يمكن استخدامه في المسارات القانونية المستقبلية. فالتكنولوجيا اليوم لم تعد مجرد وسيط، بل أصبحت شريكاً في معركة إثبات الحقيقة، محولةً كل نقطة جغرافية وسجل زمني إلى عنصر في ملف رقمي واسع يعيد تركيب الحدث أمام العالم ويحمي الضحية من محاولات التغييب أو التشكيك.










