أكد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه، في بيان مشترك صدر اليوم الأربعاء، أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يسيطر بشكل مطلق على أكثر من 85% من الموارد المائية الجوفية في الأحواض المائية الرئيسية الممتدة عبر الضفة الغربية، وهو ما يمثل عائقاً بنيوياً يحول دون قدرة الفلسطينيين على تطوير مصادرهم المائية المستقلة أو الوصول إلى حصص عادلة وكافية تلبي احتياجاتهم المتزايدة.
وأوضح البيان أن هذه السيطرة الممنهجة تؤدي إلى فجوة مائية حادة تزداد اتساعاً مع مرور الوقت، حيث تُحرم التجمعات الفلسطينية من حقوقها المائية التاريخية والقانونية لصالح التوسع الاستيطاني.
كما أشار التقرير إلى أن كميات مياه الأمطار السنوية في الضفة الغربية تُقدّر بأكثر من 165 مليون متر مكعب، إلا أن القيود العسكرية الإسرائيلية المفروضة على إنشاء السدود ومرافق التخزين، خاصة في المناطق المصنفة "ج"، تؤدي إلى فقدان جزء كبير من هذه الثروة الطبيعية دون أي استغلال حقيقي، مما يفاقم من أزمة الاعتماد على الشراء من الشركات الإسرائيلية بأسعار مرتفعة وشروط مجحفة.
وفي سياق تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية للأزمة، ركز البيان المشترك هذا العام على العلاقة الوثيقة بين المياه والنوع الاجتماعي، كاشفاً عن تأثر أكثر من مليوني امرأة وفتاة فلسطينية بشكل مباشر وحاد جراء محدودية الوصول إلى الموارد المائية النظيفة، حيث تشكل الإناث نحو 49% من إجمالي السكان، وهن الفئة الأكثر عرضة للأعباء الناتجة عن انقطاع المياه أو تلوثها نظراً لدورهن المحوري في إدارة الشؤون المنزلية والرعاية الصحية.
وأكدت البيانات أن أزمة المياه تفرض ضغوطاً نفسية وجسدية إضافية على النساء والفتيات، خاصة في المناطق الريفية والمهمشة التي تفتقر لشبكات المياه المنظمة، مما يضطرهن للبحث عن بدائل مكلفة وغير آمنة في كثير من الأحيان، وهو ما يعكس حجم التداخل بين الحرمان من الحقوق المائية والتمييز القائم على النوع الاجتماعي الذي يغذيه الاحتلال عبر سياساته الإقصائية التي تستهدف كافة مكونات المجتمع الفلسطيني دون استثناء.
الواقع الكارثي للمياه في قطاع غزة وانهيار منظومة الصرف الصحي
أما في قطاع غزة، فقد رسم التقرير صورة قاتمة ومأساوية لواقع الإمدادات المائية، حيث شهدت الفترات الماضية تراجعاً حاداً في حصة الفرد اليومية من المياه لتصل إلى مستويات تتراوح ما بين 3 إلى 5 لترات فقط خلال فترات العدوان المكثف، وهو رقم بعيد جداً عن الحد الأدنى الإنساني الذي حددته المنظمات الدولية بـ 15 لترًا يومياً للفرد.
ورغم تسجيل تحسن لاحق وصولاً إلى نحو 21 لتراً للفرد، إلا أن هذه الإمدادات لا تزال غير مستقرة وتفتقر لأدنى معايير الجودة والاستدامة، وأظهرت المؤشرات الرقمية أن إجمالي كميات المياه المنتجة في القطاع تبلغ نحو 111,697 متراً مكعباً يومياً، ولكن بسبب تدمير البنية التحتية واستهداف الخطوط الناقلة، لا يصل للسكان فعلياً سوى 44,944 متراً مكعباً، مما يعكس فقدان أكثر من نصف الكميات المنتجة، وأشار التقييم إلى أن 77% من الأسر الغزية باتت تعتمد بشكل كلي على صهاريج نقل المياه كمصدر رئيسي ووحيد، بينما تضطر 15% من الأسر إلى الاعتماد على الأطفال في جمع المياه وجلبها من نقاط بعيدة، مما يعرضهم لمخاطر جسدية ويحرمهم من حقوقهم الأساسية في التعليم واللعب.
ولم تتوقف الأزمة عند حدود الشرب والاستخدام المنزلي، بل امتدت لتشمل قطاع الصرف الصحي الذي يعاني من انهيار شبه كامل، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى تضرر أكثر من 85% من المرافق والشبكات الخاصة بالصرف الصحي في قطاع غزة، مما أدى إلى كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة تجلت في تعرض نحو 57% من السكان لمياه الصرف الصحي المكشوفة على مسافات تقل عن 10 أمتار فقط من مساكنهم وخيام نزوحهم.
هذا الواقع المتردي تسبب في انفجار معدلات الأمراض المعدية والمعوية والجلدية، خاصة بين فئة الأطفال الذين يشكلون نحو 39% من إجمالي سكان القطاع، والذين باتوا يواجهون خطر الموت نتيجة تلوث البيئة المحيطة وغياب المياه النظيفة للغسل والتطهير، وتخلص هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للسكان وإمكانيات الوصول إلى المياه قد وصلت إلى مرحلة حرجة تستوجب تدخلاً دولياً فورياً لرفع القيود عن تطوير المصادر المائية وحماية البنية التحتية من الاستهداف المستمر.










