في زاوية مظلمة من سجن نمساوي بارد يجلس رجل يدعى مصطفى عياش كأنه شخصية من رواية لم تُكتب بعد ليس في عينيه بريق الثورة ولا صراخ السياسة بل نظرة إنسان يحمل في قلبه جرحًا كبيرًا جرح شعب بأكمله يئن تحت وطأة الزمن والظلم أنا لا أكتب هنا خطابًا سياسيًا ولا أرفع راية بل أروي قصة رجل عادي كما رويت قصص آل جابر وآل قاسم في حارات القاهرة القديمة حيث يصبح الإنسان ضحية لما يفوق قدرته ويظل مع ذلك يحتفظ بكرامته كما يحتفظ الفقير بآخر قرش في جيبه.
ولد مصطفى في غزة في مخيم النصيرات حيث يتعلم الطفل أن الحياة ليست نزهة في حديقة بل صراعًا يوميًا مع الجوع والخوف والانتظار أسس قناة صغيرة تُسمى «غزة الآن» لم يكن يطلب فيها المجد أو الشهرة بل كان ينقل صور الأطفال الذين ينامون تحت الركام وصرخات الأمهات اللواتي يفقدن أبناءهن في لحظة واحدة كان قلمه لا يزيد عن كلمات صادقة وصوته لا يتجاوز حدود الإنسانية ثم جاء اليوم الذي محا فيه القصف عائلته كلها أبواه وإخوته أحمد ومحمد وأخته وزوجها وأحفاده الصغار الذين لم يعرفوا بعد طعم الحياة عشرون نفسًا ذهبت في لحظة واحدة كأن القدر أراد أن يفرغ بيته من كل من يحب ويترك له الذاكرة وحدها رفيقًا

لم ينكسر مصطفى حمل ما بقي من قلبه وذهب يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يتنفس في الثامن عشر من سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين وصل مطار أمستردام يحمل في جيبه تذكرة طائرة وفي رأسه أحلامًا بسيطة بالسلام لكن السلطات ألقت القبض عليه فورًا بناء على مذكرة أوروبية من النمسا التهمة أنه طلب تبرعات إنسانية لأهل غزة الجائعين كأن إطعام الجائع أصبح جريمة ونقل صورة الدمار أصبح تمويل إرهاب سُجن شهرين كاملين في هولندا يُضرب ويُحرم من الطعام والنوم والكلام مع أهله كأن السجن لم يعد عقابًا على جريمة بل محاولة لقتل الروح قبل الجسد
ثم نُقل إلى النمسا في السابع عشر من نوفمبر وهناك يُجدَّد اعتقاله الإداري كل أسبوعين أو شهر دون محاكمة حقيقية دون دليل يُقنع حتى الطفل يجلس مصطفى في زنزانته ينظر إلى الجدران الباردة ويتذكر أطفال غزة الذين لم يعودوا يلعبون في الشوارع يفكر في أبيه الذي كان يقول له «الكلمة يا ولدي أقوى من الرصاصة لأنها تبقى حتى بعد أن يموت الرامي»
أيها الناس في كل مكان أنا لا أطلب منكم أن تكونوا فلسطينيين أو عربًا أو مسلمين أطلب منكم أن تكونوا بشرًا مصطفى عياش ليس بطلًا أسطوريًا بل هو أب فقد أولاده وصحفي فقد صوته خلف القضبان إن سكتنا عنه اليوم فسيصبح الصمت عادة وسيجد كل إنسان يحمل في قلبه كلمة حق نفس المصير منظمات حقوق الإنسان ونقابات الصحفيين وكل من يؤمن أن الكرامة لا تُقاس بالجنسية ولا بالدين أطلقوا صوتكم ليُفرج عن مصطفى عياش فورًا ليعود إلى حياته ليبقى صوته يشهد على ما يحدث للناس العاديين في هذا العالم القاسي
في النهاية كما قلت دائمًا في رواياتي الإنسان يعيش ليروي قصته ولكن إذا سُجن صوته فإن الزمن نفسه يصبح سجنًا للجميع أطلقوا سراح مصطفى عياش ليس لأنه فلسطيني بل لأنه إنسان.









