"إنَّ المالَ في يدِ العاجزِ تبعيَّة، وفي يدِ القويِّ خيار؛ وبينَ التبعيَّةِ والخيارِ تُولدُ خريطةُ الأسرةِ الجديدة." وفي أعماق أحد أكثر المتغيرات إثارة للجدل في "تربية الاقتصاد الاجتماعي "التمكين الاقتصادي للمرأة"، نسأل: هل هو معول هدمٍ للبيت العربي، أم هو "ترمومتر" كشف عن تصدعات كانت مخفية تحت عباءة الحاجة؟
وبالمقابل، كيف نقرأ عودة برامج "تعدد الزوجات" كحلٍ ديموغرافي تحت لافتة "الرحمة"؟ وكأن الحكمة العربية تصدق: "مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الكِتَابُ أَصْلَحَهُ المِحْرَابُ، وَمَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ المِحْرَابُ أَصْلَحَهُ الغِيَابُ". لم تعد قوانين الأحوال الشخصية مجرد نصوص تشريعية تنظم العلاقات تحت سقف واحد، بل تحولت إلى "مشرط جراح" يعيد تشكيل بنية المجتمع العربي، لنقف أمام أرقام صماء في ظاهرها، لكنها تصرخ بحقائق اجتماعية مريرة؛ باتت "الدولة" شريكاً ثالثاً في كل غرفة نوم وعقد زواج، ليس بهدف الوصاية، بل لمحاولة لملمة شتات أسرٍ تعصف بها رياح التغيير القانوني والتحولات الاقتصادية.
العرب في مواجهة "الفردانية"
عالمياً، تتصدر دول مثل بلجيكا والبرتغال نسب الطلاق التي تتجاوز 60%، أما عربياً، فمصر والسعودية لا تزالان تحت هذه الأرقام، لكن "وتيرة التسارع" هي المُقلقة، والفارق الجوهري أن الطلاق في الغرب "مدني بحت"، ولا يترتب عليه وصمة اجتماعية مُدمرة، يُقابلهُ عالمنا العربي، فالطلاق هو "إعلان إفلاس اجتماعي" غالباً ما تدفع ثمنه المرأة (الأرملة أو المطلقة) والأطفال من رصيد كرامتهم واستقرارهم المستقبلي.
ولننظر فالأرقام لا تكذب بخارطة التفكك المقارنة عبر الإحصائيات الحديثة لعام 2026، نجد تبايناً حاداً يعكس أثر البيئة القانونية والاجتماعية في كل من مصر والسعودية؛ لنُلاحظ في مصر "تضخماً" في نسب الطلاق نتيجة تراكمات اقتصادية وتشريعية قديمة، بينما في السعودية، شهدت الأعوام الماضية "قفزة تصحيحية" تزامنت مع تمكين المرأة، لتبدأ الأرقام في الاستقرار بفضل نضج نظام الأحوال الشخصية الجديد.
إن القوانين قادرة على فرض "العدل"، لكنها عاجزة عن فرض "الفضل"، واستقرار المجتمعات، لا يبدأ من منصات القضاء، بل من ثقافة "الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان"، الأرقام تحذرنا من غدٍ بلا أسرة، والحل يكمن في توازن دقيق بين حماية الحقوق وصيانة الود.
فوفق المؤشر (تقديرات 2025/2026) لمصر، فمعدل الطلاق السنوي أكثر من 275,000 حالة (زيادة 15% عن 2020)، أي حالة طلاق كل دقيقتين تقريباً، وزيادة مطردة (تجاوزت 4 مليون أرملة)، وتُشكل قضايا "الخلع" أكثر من 70% من قضايا الانفصال. بينما السعودية فمعدل الطلاق السنوي أكثر من 65,000 حالة (استقرار بعد طفرة 2022) أي حالة طلاق من بين كل 3 عقود زواج، بنمو نسب الأرامل بصورة طفيفة مع تحسن الرعاية الصحية، علماً بأن قضايا "الخلع" في ازدياد بعد تسهيلات نظام الأحوال الجديد.
"مَا هَدَمَ بَيْتًا مِثْلُ خُصُومَةٍ لَا تَنْتَهِي، وَمَا عَمَرَ بَيْتًا مِثْلُ صَبْرٍ لَا يَنْقَضِي" حكمة معاصرة، ألهبت نيران التشريع (الخلع والرؤية) كقنابل موقوتة، ففي مصر، أدى قانون "الخلع" (القانون رقم 1 لسنة 2000) إلى تقصير أمد النزاع القضائي، لكنه في المقابل خلق ما يسمى بالطلاق "بضغطة زر"، مما أفقد الأسرة فرصة المراجعة الوجدانية.
أما المعضلة الكبرى فتكمن في "قانون الرؤية وتحويل الأب إلى "زائر" لمدة 3 ساعات في مركز شباب، ما خلق فجوة شعورية دفعت الكثير من الآباء لـ "الانسحاب الاختياري" أو الدخول في حروب كيدية، وهو انسحاب لا يُنتج طلاقاً قانونياً فحسب، بل يُنتج "يتامى والداهم أحياء"، مما يرفع من نسب التفكك العاطفي قبل القانوني.. في المقابل، جاء نظام الأحوال الشخصية السعودي الجديد (2022) ليضع "النفقة" و"الحضانة" في إطار تنفيذي صارم، قلل من "المماطلة الكيدية"، لكنه فرض تحدياً جديداً يتمثل في سرعة اتخاذ قرار الانفصال بمجرد توفر الضمان المالي للمرأة.
وباء "العلاقات السامة" المُشرعنة، وهو ما تُشير إليه دراسات حديثة أجريت في مراكز البحوث الاجتماعية (2025) إلى أن "البقاء في زواج سام" بسبب تعقيدات القانون أو "الطلاق الكيدي" بسبب ثغراته، يؤدي إلى نتائج كارثية، أولاها صدمة الولاء لدى الأطفال مع أي جانب يكونون، مما يؤدي إلى اضطرابات الشخصية الحدية (BPD) بنسبة تزيد بـ 40 %لدى أبناء المنفصلين قضائياً مقارنة بالانفصال الودي، ثانيها الاحتراق النفسي للأرامل فالترمل القانوني، يخلق ضغطاً عصبياً يوازي الفقد الحقيقي، مع غياب الدعم المجتمعي الكافي.
وفي المقابل "تزداد الطين بله" بعصفة "تسونامي" من البرامج الإعلامية و"الهاشتاقات" التي تنادي بتعدد الزوجات تحت شعار "ستر العانسات" أو "الرحمة بالفتيات"، كرد الفعل دفاعي معاكس وفق خبراء الاجتماع كمحاولة لإعادة المرأة إلى "مظلة الرجل" كحلٍ لمشكلة العنوسة التي تجاوزت نسبتها في مصر 15 %من سن الزواج، وفي بعض دول الخليج وصلت لأرقام مقلقة. كما أن هذه البرامج غالباً ما تغفل الجانب "الكيفي" وتركز على "الكمي"، يُسوق له كـ "عمل خيري" غالباً ما يصطدم بواقع "القدرة على العدل" (المادي والمعنوي)، وقد أثبتت الإحصائيات إلى أن زيجات التعدد التي تنشأ بدافع "الشفقة" هي الأكثر عرضة للفشل السريع، لأنها تفتقر لركيزة "المودة المتكافئة". وأخيراً الاستهلاك الإعلامي بهدف "الترند" أكثر من الإصلاح. فهل هناك روشتة إصلاح، نحو قانون "إنساني" لا "تصادمي".
إن "الميثاق الغليظ" للقوانين قادرة على فرض "العدل"، لكنها عاجزة عن فرض "الفضل". فاستقرار المجتمعات في مصر والسعودية والعالم العربي بأسره لا يبدأ من منصات القضاء، بل من ثقافة "الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان". لكن الأرقام تحذرنا من غدٍ بلا أسرة، والحل يكمن في توازن دقيق بين حماية الحقوق وصيانة الود. فَا هَدَمَ بَيْتًا مِثْلُ خُصُومَةٍ لَا تَنْتَهِي، وَمَا عَمَرَ بَيْتًا مِثْلُ صَبْرٍ لَا يَنْقَضِي.
وقفة
إن التمكين الاقتصادي للمرأة هو "قدرٌ محتوم" في مسار الحداثة، لكنه يحتاج إلى "رجل ممكن فكرياً" يستوعب هذا التحول. أما الدعوات للتعدد، فهي وإن كانت تستند لأصل شرعي، إلا أن إخراجها في قالب "الرحمة بالضعيفات" يسيء للمرأة وللزواج كقيمة إنسانية سامية.. لنقف عند القول المأثور: "إنَّ البيوتَ لا تُبنى على الأرقامِ وحدَها، بلْ على الكرامةِ التي تجعلُ البقاءَ اختياراً، لا اضطراراً."








