بقلم: الباحث رامي أبو زبيدة
لم تعد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان تُقرأ وفق القوالب العسكرية التقليدية، حيث الخطوط الواضحة والاشتباك المباشر بين قوتين نظاميتين، بل تحولت إلى نموذج أكثر تعقيدًا وانسيابية، نجح فيه حزب الله في إعادة تعريف شكل المعركة وأدواتها. فالمفاجأة التي فرضها الحزب لم تكن في حجم النيران أو نوعية الأسلحة، بقدر ما كانت في كيفية إدارتها ضمن منظومة قتالية مرنة، أربكت الحسابات الإسرائيلية وأفقدتها القدرة على الحسم.
منذ الأيام الأولى للتصعيد، بدا واضحًا أن الحزب يتجه نحو تفكيك الجبهة إلى وحدات صغيرة تعمل باستقلالية عالية، دون تمركز ثابت أو خطوط دفاع تقليدية. هذا التحول نحو “اللامركزية العملياتية” جعل من الصعب على الجيش الإسرائيلي تحديد أهداف واضحة أو مراكز ثقل يمكن ضربها، ليجد نفسه أمام شبكة قتالية متحركة، تظهر وتختفي وفق مقتضيات الميدان.
في هذا السياق، أعاد حزب الله إحياء تكتيك “اضرب واهرب”، لكن بصيغة أكثر تطورًا وكثافة، حيث باتت العمليات تُنفذ بوتيرة متسارعة تُبقي
القوات الإسرائيلية تحت ضغط دائم. هذا الإيقاع العالي لم يترك مجالًا لإعادة تنظيم الصفوف أو تثبيت التقدم، ما ساهم في تحويل أي محاولة توغل بري إلى مغامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج.
الأهم من ذلك، أن الحزب لم يعتمد على سلاح واحد، بل على منظومة نارية مركبة تجمع بين الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، والمضادات للدروع، والطائرات المسيّرة، إضافة إلى القنص التكتيكي. هذا الدمج بين الوسائط القتالية أتاح له مرونة عالية في التعامل مع أهداف متعددة، من تجمعات الجنود إلى الآليات المدرعة، وصولًا إلى المواقع الاستراتيجية في العمق.
ولعل التحول الأكثر تأثيرًا تمثل في نقل المعركة من حدود الاشتباك التقليدي إلى العمق العملياتي، عبر استهداف قواعد حساسة ومراكز قيادة، إلى جانب المستوطنات الحدودية. هذا التوسع في بنك الأهداف لم يكن مجرد تصعيد ناري، بل خطوة مدروسة لفرض معادلة ردع جديدة، تجعل الجبهة الداخلية الإسرائيلية جزءًا من المعركة، وتضاعف كلفة القرار العسكري.
في موازاة ذلك، لعبت الجغرافيا دورًا حاسمًا في إدارة المعركة، حيث أعاد الحزب توظيف طبيعة الجنوب اللبناني، خصوصًا الأودية والمناطق الوعرة، لتحويلها إلى مساحات استنزاف فعالة، لا سيما ضد المدرعات. هذه البيئة القتالية المعقدة حدّت من فعالية التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، وأعادت التوازن إلى الميدان بوسائل غير تقليدية.
ومع تعدد محاور التوغل الإسرائيلي، من الشرق إلى الوسط والغرب، وجد الجيش نفسه مضطرًا لتوزيع قواته على جبهات متعددة، بدل تركيزها لتحقيق اختراق حاسم. هذا التشتيت خدم استراتيجية حزب الله، التي تقوم أساسًا على إنهاك الخصم واستنزاف قدراته تدريجيًا، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة واسعة.
في المحصلة، يمكن القول إن حزب الله نجح في فرض نمط من القتال يقوم على “الشبكة القتالية” منخفضة البصمة، عالية المرونة، والقادرة على الاستمرار رغم الضربات. وبهذا، تحولت المعركة من سباق نحو الحسم إلى اختبار طويل للنفس والقدرة على التحمل.
هي حرب يديرها حزب الله، بالعقل أكثر مما تُدار بالنار، وفيها تتراجع أهمية التفوق التقليدي للعدو أمام تكتيكات ذكية قادرة على تعطيله. وهنا تكمن المفارقة: فالقوة لم تعد تُقاس بما تملك من وسائل، بل بكيفية استخدام ما تملك، وهذه هي المعادلة التي يبدو أن حزب الله أتقنها في هذه الجولة.










