لم تعُدِ المسألةُ تحليلَ احتمالات، بل قراءةَ واقعٍ يتشكّل أمام أعيننا.
الحربُ وقعت، وإن لم تُعلَن بصيغتها التقليدية، وتتحرّك بخطى ثابتة نحو مراحل أكثر خطورة.
لكنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اتّساعها… بل في ما يُحضَّر لها تحت غطاء التفاوض.
في الظاهر، تتحدّث الولايات المتحدة عن انفتاحٍ على الحوار مع إيران.
قنواتٌ دبلوماسية، رسائل تهدئة، وإشارات إلى إمكانية التفاهم.
لكن في العمق، تتحرّك الوقائع باتجاهٍ مختلف: تموضع عسكري، رفع جهوزية، وتوسيع نطاق الاشتباك غير المباشر.
وهنا، يجب أن تُقال الحقيقة بوضوح وهو الاحتمال الأكثر خطورة ليس فقط الحرب الشاملة… بل التحضير لها تحت غطاء التفاوض.
ففي علم الاستراتيجيا، يُستخدم التفاوض أحياناً ليس للوصول إلى حلّ، بل لشراء الوقت.
وقتٌ لإعادة التموضع.
وقتٌ لتجميع القوة.
وقتٌ لاختبار ردود الفعل، قبل الانتقال إلى مرحلةٍ أكثر حسماً.
وفي هذا السياق، يُطرح اسم دونالد ترامب، لا كشخصٍ يتصرّف بعفوية، بل كمن يعتمد مبدأ، ارفع الضغط إلى أقصاه… ثم فاوض من موقع القوة.
لكن الخطورة تبدأ عندما يتحوّل هذا الضغط إلى مسارٍ تصاعدي يصعب ضبطه.
ماذا يعني التحضير تحت غطاء التفاوض؟
يعني أن يُشغَل الخصم بمسارٍ سياسي، فيما يجري تثبيت وقائع ميدانية.
يعني أن تُخفَّف لهجة التصعيد إعلامياً، بينما ترتفع الجهوزية العسكرية فعلياً.
يعني أن يُعطى الانطباع بأنّ الوقت يعمل لصالح الحل،
بينما يُستخدم الوقت نفسه للتحضير لمرحلةٍ أكثر قسوة.
لكن هذا المسار ليس بلا مخاطر.
فإيران ليست طرفاً غافلاً، وليست ساحةً رخوة يمكن ابتلاعها بقرار.
موهومٌ من يعتقد أنّ إيران سهلةُ الأكل وسهلةُ الانكسار.
هي دولة تقرأ الإشارات، وتبني حساباتها على أسوأ الاحتمالات، وتُحضّر لردودٍ قد تفوق التوقّعات.
وهذا يعني أنّ أي محاولة مفاجأة قد تصطدم بردٍّ جاهز، وربما أشدّ مما هو متوقّع.
وهنا، يتحوّل “التحضير الصامت” إلى شرارة انفجار.
فإذا ترافق التفاوض مع تحشيدٍ عسكري، وترافق التحشيد مع استهدافات متبادلة، فإنّ المسار يصبح واحداً، تصعيد تدريجي نحو مواجهة أوسع.
وفي حال ارتُكب الخطأ الأكبر، أي الانتقال إلى حربٍ برية، فإنّ المشهد سيتحوّل بالكامل.
لن تكون حرباً سريعة، ولا عملية محسوبة، بل حرب استنزاف مفتوحة.
وسرعان ما ستظهر حدود القوة، أمام واقعٍ ميداني معقّد، وقدرة ردع غير تقليدية.
وهنا، تتحوّل الحسابات من “كيف نبدأ؟” إلى “كيف نخرج؟”.
إنّ أي إدارة، بما فيها إدارة ترامب، تدرك أنّ الدخول في حربٍ بهذا الحجم يعني مواجهة كلفة بشرية وسياسية متزايدة، وضغطاً داخلياً لا يمكن تجاهله.
لكن المشكلة ليست دائماً في القرار، بل في المسار الذي يقود إليه.
ضربة محسوبة...ردّ مضاد...تصعيد إضافي...ثم تضيق الخيارات…
حتى يصبح التصعيد هو الخيار الوحيد المتاح.
لبنان، في قلب هذا المشهد، لا يملك ترف قراءة الأحداث من بعيد.
بل هو جزء من معادلة تتأثر بكل تفصيل.
وأي توسّعٍ في الحرب، أو انتقالٍ من “التحضير الصامت” إلى المواجهة المفتوحة، سيضع المنطقة بأكملها أمام واقعٍ جديد، لا يمكن احتواؤه بسهولة.
من هنا، فإنّ أخطر الأوهام هو الاعتقاد بأنّ التفاوض يعني التهدئة.
وأخطر الرهانات هو انتظار الحلول من الخارج.
الحرب بدأت…
لكن ما يُحضَّر تحت غطاء التفاوض قد يكون أخطر من الحرب نفسها.
ففي زمن الصراعات الكبرى، لا تكون الكارثة في ما نراه،
بل في ما يُبنى بصمت… حتى يقع.
د. ليون سيوفي يكتب: حين يُخادِعُ التفاوضُ الحرب… مَن يَكشِفُ لحظةَ الانفجار؟
لم تعُدِ المسألةُ تحليلَ احتمالات، بل قراءةَ واقعٍ يتشكّل أمام أعيننا. الحربُ وقعت، وإن لم تُعلَن بصيغتها التقليدية، وتتحرّك بخطى ثابتة نحو مراحل أكثر خطورة.
بقلم: د. ليون سيوفي
٢٩ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
20 مشاهدة

الحرب على إيران
⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذا المقال
اختيارات المحرر
⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير






