في ظل الظروف السياسية والأمنية المتوترة التي تشهدها المنطقة وخصوصا في العراق تبرز التحديات الاقتصادية أو غلاء المعيشة كواحدة من أصعب الجبهات التي يواجهها المواطن العراقي.
ولم تكن أسواق الجملة في بغداد، أو ما يُعرف بـ "العلوات" بمنأى عن هذه التأثيرات حيث كشفت القوائم السعرية الأخيرة عن موجة ارتفاع لم تقتصر على الفواكه المستوردة فحسب، بل طالت حتى المنتجات الوطنية التي كان يُفترض أن تكون "ملجأ" المواطن من الغلاء.
"زيت الدار" نموذجا
من أكثر النقاط التي تثير تساؤلات الشارع العراقي هي الارتفاع الملحوظ في سعر "زيت الدار" وهو المنتج المحلي الذي يحظى بثقة العائلة العراقية.
فرغم كونه يُنتج داخل العراق، إلا أن سعره شهد تصاعداً وضع ضغوطاً إضافية على السلة الغذائية الأساسية.
يعود هذا الارتفاع إلى عدة عوامل تقنية واقتصادية مرتبطة بتبعات الحروب والأزمات:
اولها المواد الأولية حيث يعتمد إنتاج الزيوت محليا بشكل كبير على استيراد "الزيوت الخام" أو البذور من الخارج، ومع اضطراب سلاسل التوريد العالمية بسبب الحروب، ترتفع تكاليف هذه المواد الأساسية. أما تكاليف الطاقة والنقل فتشغيل المصانع المحلية وتوزيع المنتج بين المحافظات يتأثر مباشرة بأسعار الوقود وتكاليف النقل التي ترتفع مع كل أزمة أمنية.
كما أن الطلب المتزايد مع غلاء الزيوت المستوردة بالكامل، يتجه المستهلك نحو "زيت الدار"، مما يخلق فجوة بين العرض والطلب تؤدي أحياناً لرفع السعر.
خارطة الأسعار في "علوات" بغداد
بالعودة إلى قائمة أسعار الفواكه في علوات (جميلة، الرشيد، والشعلة)، نجد أن التفاوت يعكس حجم الأزمة:
_ البرتقال المحلي: وصل سعره في علوة جميلة إلى 1900 دينار متجاوزاً سعر المستورد الذي تراوح بين 800-1100 دينار، مما يشير إلى تكاليف إنتاج وخزن محلية باهظة.
_ الفواكه الموسمية: سجل "الخوخ" في علوة الرشيد 3500 دينار، بينما وصل "العرموط" في جميلة إلى 3000 دينار وهي أرقام تجعل من الفاكهة "رفاهية" لبعض الطبقات.
_ الموز والرمان: استقرت الأسعار عند حاجز الـ 2000 إلى 3000 دينار، وهو ما يمثل عبئاً يومياً على ذوي الدخل المحدود.
"ارتفاع طفيف" أم أزمة صامتة؟
رغم أن التقارير الرسمية قد تصف هذه الزيادات بأنها ارتفاع طفيف إلا أن تراكم الزيادات في أسعار الزيت (مثل زيت الدار) مع أسعار الخضار والفواكه، يخلق أزمة صامتة داخل كل بيت عراقي. فالحرب لا تقتل بالرصاص فقط، بل تضغط على لقمة العيش وتجعل من تأمين المتطلبات الأساسية معركة يومية.
في الختام، إن بقاء المواطن العراقي محاصراً بين مطرقة الحروب الإقليمية وسندان غلاء المنتج الوطني -كـ زيت الدار- يضع مصداقية 'دعم المنتج المحلي' على المحك.
فإذا كان زيت 'الدار' لا يرحم أهل 'الدار' في وقت الأزمات، وإذا كانت فواكهنا المحلية أغلى من نظيرتها العابرة للحدود فنحن أمام خلل بنيوي يتجاوز مجرد 'ارتفاع طفيف'. إن الأمن الغذائي ليس مجرد أرقام في جداول العلوات، بل هو كرامة المواطن التي يجب ألا تُترك لقمة سائغة في فم الأزمات المتلاحقة










