20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تهجير صامت في طمون… حين تتحول الأرض إلى ساحة ضغط مفتوح

يتقلّص بشكل متسارع وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم في قرية طمون الواقعة قرب غور الأردن، في مشهد يعكس تحوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء.

بقلم: أخبار ومتابعات
٣١ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
تهجير صامت في طمون

تهجير صامت في طمون

يتقلّص بشكل متسارع وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم في قرية طمون الواقعة قرب غور الأردن، في مشهد يعكس تحوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء.

فالقرية تواجه ضغوطًا متراكمة من عدة اتجاهات، تبدأ بإقامة مستوطنة جديدة جنوبها، ولا تنتهي بأعمال بناء جدار أمني شرقها، وهو جدار يبرّره جيش الاحتلال بذريعة "أسباب أمنية" بعد اتهام المنطقة باحتضان نشاطات "عدائية" خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذه المبررات، وفق روايات السكان، تخفي واقعًا أكثر قسوة يتمثل في تقويض مصادر العيش الأساسية.

ويؤكد المزارعون أن أعمال الحفر والبناء أدت إلى قطع المياه عن حقولهم، ما ألحق أضرارًا مباشرة بمحاصيلهم وأرزاقهم. ويشير أحد سكان القرية إلى أن ست عائلات اضطرت بالفعل إلى مغادرة مساكنها القريبة من خربة عاطوف نتيجة هذه الظروف المتدهورة. وفي سياق متصل، شهدت المنطقة الأسبوع الماضي إقامة بؤرة استيطانية جديدة شمال القرية، تسببت في مضايقات متكررة للسكان قبل أن يتم إخلاؤها سريعًا، في مشهد يعكس حالة عدم الاستقرار التي تُفرض على الفلسطينيين بشكل متواصل.

تضييق جغرافي ممنهج
تقع طمّون شمال شرق نابلس وتمتد أراضيها حتى غور الأردن، ويبلغ عدد سكانها نحو 15 ألف نسمة، إضافة إلى تجمعات من الرعاة الذين يعتمدون على المساحات المفتوحة في معيشتهم. غير أن هذه المساحات آخذة في الانكماش نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال، إذ لم يعد بإمكان السكان الوصول إلى معظم الأراضي المفتوحة، ما يدفعهم إلى التكدّس في المناطق المأهولة ويزيد من الضغط الاجتماعي والاقتصادي.

وبحسب رئيس مجلس القرية، فإن القيود المفروضة منذ أكتوبر 2023، خاصة تلك المتعلقة بمنع العمال الفلسطينيين من دخول أراضي الداخل، دفعت نحو 90% من السكان إلى الاعتماد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل. وتشير بيانات جمعية "كيرم نبوت" إلى أن المساحة التاريخية لأراضي طمّون تبلغ نحو 95 ألف دونم، إلا أن جدار الفصل السابق اقتطع عشرات آلاف الدونمات، فيما سيؤدي الجدار الجديد إلى عزل نحو 9 آلاف دونم إضافية، ما يعمّق من سياسة خنق الحيز الجغرافي للفلسطينيين.

اعتداءات المستوطنين
تُعدّ البؤر الاستيطانية إحدى أدوات الضغط المباشر على السكان، حيث أُقيمت بؤرة جديدة عشية الخميس الماضي، في سياق موجة أوسع من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وقد اضطرت عائلات من تجمع خربة عينون، بينها عائلة سلامة رشيدة، إلى الفرار مؤقتًا قبل أن تعود بعد إخلاء البؤرة.

ويروي رشيدة تفاصيل ما حدث، مشيرًا إلى أن مستوطنين وصلوا ليلًا بمركبات عسكرية مزودة بمعدات، وتجولوا بين المنازل تحت حماية واضحة من قوات الاحتلال. وأضاف أن أحد المستوطنين تحدث بالعربية وهددهم بإيذاء الأطفال وسرقة الأغنام إذا لم يغادروا، بل وشرعوا في اقتحام البيوت وتخريب الممتلكات. وأمام هذا التهديد، اضطر إلى اتخاذ قرار مؤلم بالمغادرة حفاظًا على أطفاله، مؤكدًا أن هذه الحادثة ليست سوى حلقة ضمن سلسلة طويلة من المضايقات اليومية التي يعيشها السكان.

مشروع استيطاني موسّع
لا يقتصر الأمر على البؤر المؤقتة، إذ يجري العمل أيضًا على إقامة مستوطنة جديدة تحمل اسم "طمّون"، ضمن مجموعة من 19 مستوطنة صادق عليها المجلس الأمني السياسي المصغر في ديسمبر الماضي. ومن المتوقع أن تُقام هذه المستوطنة على أراضي المنطقة (ج)، رغم عدم تصنيفها كأراضي دولة حتى الآن، في خطوة تعكس توجّهًا واضحًا لفرض وقائع جديدة على الأرض.

ويشير السكان إلى أنهم كانوا يستخدمون المساحات الجبلية الواسعة لرعي أغنامهم، إلا أن هذه المناطق أصبحت محظورة عليهم منذ إقامة البؤر الاستيطانية. كما يتحدثون عن اقتحامات متكررة من مستوطنين يصلون إلى قمم الجبال حيث تقع منازل الفلسطينيين، ويقومون بتهديد السكان بشكل مباشر، ما يعزز مناخ الخوف ويدفع نحو النزوح التدريجي.

الجدار وقطع المياه
في موازاة التوسع الاستيطاني، يجري تنفيذ مشروع جدار أمني جديد ضمن ما يُعرف بـ"السلك الثاني"، حيث تم شق طريق عسكري يؤدي إلى المستوطنة ويرتبط بمسار الجدار المخطط له. وتبرر سلطات الاحتلال هذا المشروع بالحاجة إلى منع "التسلل" وتهريب السلاح، إلا أن هذه الذريعة، وفق السكان، تُستخدم لتكريس العزل الجغرافي وفرض السيطرة على الأراضي.

وفي بداية الشهر الجاري، سمحت المحكمة العليا ببناء جزء من الجدار في وادي طمّون، وبدأت الأعمال بالفعل. غير أن هذه الأعمال تسببت في أضرار جسيمة، أبرزها اقتلاع أنابيب المياه التي تغذي الحقول. ويقول المزارع يحيى بشارات إنه استثمر نحو 150 ألف شيكل في إنشاء دفيئة لزراعة البازلاء، لكنه لم يتمكن من حصاد محصوله بسبب انقطاع المياه، في خسارة تعكس حجم الضرر الاقتصادي الذي يلحق بالمزارعين.

ورغم تقديم التماسات لإصلاح الأضرار، لم يحصل السكان سوى على وعود أولية من الإدارة المدنية، دون تنفيذ فعلي حتى الآن. وفي هذه الأثناء، تذبل المحاصيل التي تحتاج إلى ري يومي، فيما بدأت عائلات تقطن شرق الجدار بترك منازلها، في مؤشر واضح على نتائج هذه السياسات.

نزوح متدرّج للرعاة
بين الحقول والدفيئات، تعيش عائلات من الرعاة التي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع هذه التحولات. ويقول أحد السكان، رافضًا الكشف عن هويته، إن معظم المزارعين يأتون للعمل نهارًا ثم يغادرون، بينما يضطر من يقيمون في المنطقة إلى الاستعداد للمغادرة مع تفاقم الأوضاع.

ويضيف أن نقل المياه ما زال ممكنًا في الوقت الحالي، لكن استمرار شق الطرق وبناء الجدار سيؤدي إلى عزلهم بالكامل عن العالم الخارجي. وفي سياق مشابه، يروي الراعي خير الله كيف اضطر للانتقال مع عائلته إلى وادٍ قريب من مركز القرية، رغم أنه اشترى أرضه قرب خربة عاطوف عام 2013. ويؤكد أن مغادرته جاءت نتيجة الخوف من تكرار الهجمات التي تعرضت لها قرى مجاورة، خاصة مع عودة المستوطنين وتصاعد اعتداءاتهم.

بهذا المشهد، تتكشف ملامح سياسة ممنهجة لا تقتصر على التضييق الاقتصادي أو الأمني، بل تمتد إلى دفع السكان الفلسطينيين نحو الرحيل القسري، في ظل دعم عسكري مباشر وتوسع استيطاني متسارع، ما يضع قرية طمّون أمام واقع يهدد وجودها على المدى القريب.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

تهجير صامت في طمون… حين تتحول الأرض إلى ساحة ضغط مفتوح - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°