في لحظاتٍ معيّنة، لا يُقاس سقوط الدول بقراراتها السياسية فقط، بل بقدرتها على تحويل القتل إلى نصّ قانوني، ومن ثمّ الاحتفاء به.
ما يُطرح اليوم حول إقرار قوانين تُجيز إعدام أسرى فلسطينيين، ليس تفصيلًا تشريعيًا عابرًا، بل تحوّل خطير في مفهوم العدالة نفسه.
فالأسير، في كل القوانين والأعراف، ليس رقمًا في معادلة الانتقام، بل إنسانٌ مجرّد من القدرة على الدفاع عن نفسه، تحكمه قواعد واضحة في القانون الدولي الإنساني.
وحين يُنزع هذا الغطاء القانوني والأخلاقي، نكون أمام انحدار لا يمكن تبريره بأي ذريعة أمنية أو سياسية.
إن الأخطر من النصّ نفسه، هو التصفيق له.
لأن التصفيق لا يعكس موقفًا سياسيًا فقط، بل يكشف تحوّلًا في الوعي الجماعي، حيث يُصبح الموت مشروعًا، والقتل قابلًا للتشريع.
هنا، لا يعود السؤال: من يقرّ القانون؟
بل: من يراقب هذا الانهيار؟
أين هو المجتمع الدولي من هذا المشهد؟
أين المؤسسات التي طالما تحدّثت عن حقوق الإنسان، وعن حماية الأسرى، وعن كرامة الإنسان في زمن الحرب؟
إن الصمت، في مثل هذه اللحظات، لا يُفسَّر حيادًا، بل يُقرأ تواطؤًا.
والتأخّر في الموقف، ليس تفصيلًا دبلوماسيًا، بل مشاركة غير مباشرة في تكريس سابقة خطيرة.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو تداعي المعايير نفسها.
فعندما تُطبّق القوانين الدولية بانتقائية، وتُفعَّل حيث تتقاطع مع المصالح، وتُجمَّد حيث تتعارض معها، يصبح النظام الدولي فاقدًا لشرعيته الأخلاقية.
إن ازدواجية المعايير لا تقتل العدالة فحسب، بل تُنتج شعورًا عالميًا بالظلم، وتفتح الباب أمام مزيد من التطرف والعنف، لأن الشعوب التي تفقد ثقتها بالقانون، تبحث عن بدائل خارج إطاره.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن التوازنات الدولية، حيث تتقدّم الحسابات السياسية على المبادئ، وتُقدَّم المصالح على القيم.
فتتحوّل حقوق الإنسان من قاعدة ثابتة إلى أداة ضغط، تُستخدم حيث يُراد، وتُغضّ عنها الأنظار حيث يجب أن تُطبّق.
وهنا، يصبح السؤال أكثر خطورة:
هل ما زال هناك نظام دولي عادل، أم أننا أمام عالمٍ يُدار بمنطق القوة فقط؟
إن تشريع إعدام الأسرى لا يُهدّد فئةً بعينها، بل يُهدّد فكرة القانون نفسها.
لأن ما يُسمح به اليوم في مكان، قد يُعاد إنتاجه غدًا في أماكن أخرى، تحت ذرائع مختلفة.
وحين يسقط المبدأ، لا تعود هناك حدود.
وحين تُفتح هذه السابقة، يصبح كل إنسانٍ في زمن الحروب مشروعَ ضحيةٍ بلا حماية.
حين يتحوّل إعدام الأسرى إلى قانونٍ يُصفَّق له، فالمشكلة لم تعد قانونًا، بل ضميرًا عالميًا غائبًا…
والمأساة لا تكمن فقط في من يُشرّع، بل في من يصمت
فالتاريخ لا يرحم.
وما يُكتب اليوم في النصوص، سيُقرأ غدًا كوصمةٍ في جبين الإنسانية..










