مرة أخرى، تقع واشنطن في الوهم نفسه: وهم القدرة على “حل” الشرق الأوسط بالقوة.
جورج بوش الابن ظنّ أن إسقاط صدام حسين سيُعيد تشكيل المنطقة على مقاسه، ففتح أبواب الفوضى. باراك أوباما تخيّل أن إنهاء حكم القذافي سيقود إلى الاستقرار، فإذا بليبيا تتحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى والسلاح.
واليوم، يأتي دونالد ترامب ليكرر السيناريو ذاته—لكن هذه المرة مع إيران، الخصم الأكثر تعقيدًا وخطورة.
المشكلة ليست في القوة… بل في سوء فهم طبيعة الصراع.
بعد أسابيع من الضربات الأميركية–الإسرائيلية، بات واضحًا أن ما يجري ليس طريقًا إلى “نصر”، بل انزلاق بطيء نحو مستنقع جديد. نعم، يمكن للطائرات أن تغتال قادة، وتدمر مواقع، وتقلّص قدرات. لكن هل يمكنها إسقاط نظام؟ الإجابة: لا.
وهل يمكنها محو المعرفة النووية؟ مستحيل.
وهل تستطيع إنهاء حرب غير متكافئة تتقنها إيران؟ بالتأكيد لا.
إيران لا تقاتل كدولة تقليدية يمكن كسرها بضربة قاضية. هي تقاتل كمنظومة ممتدة: صواريخ مخفية، طائرات مسيّرة، حرب بحرية غير تقليدية، وشبكات نفوذ عابرة للحدود. هذا ليس هدفًا يُدمَّر… بل واقعٌ يُدار.
أما الحديث عن تدخل بري، فهو أقرب إلى الخيال العسكري. جغرافيا إيران وحدها كفيلة بابتلاع أي جيش، فكيف إذا كان المطلوب احتلال دولة بحجم قارة صغيرة؟ الكلفة لن تكون “عراقًا جديدًا”… بل كارثة تفوق فيتنام والعراق معًا.
هنا تكمن المفارقة القاسية:
الهدف المعلن—إنهاء التهديد الإيراني—هو تحديدًا ما يجعل الحرب غير قابلة للانتصار.
إذن، ماذا يفعل ترامب؟
يبدو أنه يسير نحو خيار “جزّ العشب”: ضربات متكررة دون حسم، إعلان نصر إعلامي، ثم انتظار الجولة التالية. لكن حتى هذا الخيار يحمل خدعة خطيرة—فهو يفترض أن إيران ستلتزم الصمت، بينما الواقع يقول العكس: طهران لن تمنح واشنطن هدنة مجانية، بل ستستثمر كل فرصة لرفع كلفة المواجهة، سياسيًا واقتصاديًا.
ومع اقتراب الانتخابات وارتفاع أسعار الطاقة، قد تتحول هذه الحرب من ورقة قوة إلى عبء داخلي ثقيل على ترامب.
الحقيقة التي يتجاهلها الجميع بسيطة وصادمة:
لا يمكن إنهاء هذه الحرب دون موافقة إيران نفسها.
أي تسوية واقعية ستعني شيئًا غير مريح للطرفين:
تنازلات متبادلة، وقف متزامن للهجمات، وضمانات أمنية تشمل إسرائيل، مقابل تخفيف للعقوبات وإعادة دمج إيران اقتصاديًا.
هل هذا حل مثالي؟ بالتأكيد لا.
لكنه الحل الوحيد الممكن.
في هذا المشهد، قد تظهر روسيا كلاعب لا يمكن تجاهله. فموسكو تملك ما لا تملكه واشنطن اليوم: قنوات مفتوحة مع الجميع، وقدرة على التحدث مع طهران وتل أبيب ودول الخليج في آن واحد. السؤال ليس إن كانت روسيا وسيطًا مثاليًا، بل إن كان هناك بديل أصلاً.
المفارقة الأكبر أن الطرفين—واشنطن وطهران—عالِقان في معادلة واحدة:
لا أحد يستطيع هزيمة الآخر، ولا أحد قادر على الانسحاب دون ثمن.
ومع كل ضربة جديدة، لا يقتربان من النصر… بل يقتربان من الحقيقة التي حاولا الهروب منها منذ البداية:
هذه ليست حربًا يمكن كسبها، بل أزمة يجب التعايش معها.
في النهاية، لن يكون هناك “استسلام”.
سيكون هناك فقط اتفاق يسمح لكل طرف أن يدّعي أنه لم يخسر.
أما البديل؟
فهو استمرار الانحدار… حتى يغرق الجميع.










