شرعنة القتل خارج إطار الحضارة في سابقة تشريعية تعكس توغل اليمين المتطرف في مفاصل الدولة، يبرز مقترح الاحتلال لـ "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" ليس كإجراء جنائي، بل كإعلان حرب قانوني يهدف إلى تجريد الإنسان الفلسطيني من صفته كـ "مقاتل حرية" أو "أسير محمي"، وتحويله إلى كائن مستباح الدم. إن هذا القانون يمثل إعداماً لمنظومة القيم الدولية قبل أن يكون إعداماً للأفراد.
لم يأتِ هذا القانون من فراغ قانوني، بل نبت في دفيئة التطرف السياسي حيث قاد هذا التحرك إيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي) وزعيم حزب "عظمة يهودية"، كشرط ائتلافي أساسي لدخول حكومة بنيامين نتنياهو، وتم تمريره في القراءة التمهيدية بالكنيست في مارس 2023 بدعم واسع من الائتلاف الحاكم.
ولا يخفى الدوافع المبطنة لذلك..
أولها ؛ الهدف الجوهري هو إغلاق ملف الأسرى نهائياً ومنع تحررهم في أي صفقات تبادل مستقبلية، مما يحرم المقاومة من استعادة كوادرها.
مع النية لاستخدام دماء الأسرى كوقود للدعاية السياسية واسترضاء القواعد الشعبية اليمينية المتطرفة. ومحاولة ترهيب الشعب الفلسطيني بآلة الموت، رغم تحذيرات الأجهزة الأمنية من أن الإعدام سيزيد من دافعية المقاومة.
التناقض الجذري مع مواثيق الأمم المتحدة
يصطدم هذا التشريع بجدار صلب من الترسانة القانونية الدولية التي أُسست لحماية الكرامة البشرية:
_ اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة (1949): تمنح هاتان الاتفاقيتان الأسرى حماية مطلقة من التنكيل والقتل العمد. المادة (13) من الاتفاقية الثالثة تحظر أي فعل يسبب موت الأسير، وتعتبر ذلك جريمة حرب. كما أن المادة (68) من الاتفاقية الرابعة تقيد الإعدام في الأراضي المحتلة بشروط شبه مستحيلة، ينسفها هذا القانون جملة وتفصيلاً.
_ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية: تنص المادة (6) على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. إن التوجه الأممي العام يسير نحو إلغاء الإعدام كلياً، بينما تعود إسرائيل بهذا القانون إلى عصور الظلام التشريعي.
_ اتفاقية مناهضة التعذيب (CAT):يُصنف خبراؤها "انتظار الموت" تحت ظل قانون عنصري كنوع من التعذيب النفسي والمعاملة الوحشية التي تحرمها الاتفاقية بشكل مطلق.
لا يكمن التناقض فقط في "نص" القانون الإسرائيلي، بل في "عجز" المنظومة الأممية عن فرض مواثيقها. فبينما تمتلك الأمم المتحدة ترسانة قانونية تحرم الإعدام والتعذيب، يظل تطبيق هذه النصوص رهيناً للحسابات السياسية الكبرى، مما يخلق حالة من "الاستثناء الدائم" للانتهاكات الإسرائيلية
العنصرية التشريعية والتداعيات القانونية
يكمن عوار القانون في "انتقائيته الإثنية" فهو مصمم ليطبق على العمليات المنفذة على خلفية "قومية" (أي من قبل الفلسطينيين)، بينما يتمتع الإرهابيون المستوطنون بآليات "تخفيف العقوبة" أو "الاضطراب النفسي". هذا التمييز يضع القانون تحت طائلة جريمة الفصل العنصري كما عرفها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنايات الدولية.
إن إقرار هذا القانون وتنفيذه يفتح الباب أمام ملاحقات جنائية دولية لا مفر منها:
1. جرائم الحرب:القتل العمد للأشخاص المحميين هو خرق جسيم يوجب ملاحقة القضاة والسياسيين الذين يشرعون ويطبقون هذه الأحكام.
2. الاختصاص العالمي: يحق لأي دولة عضو في اتفاقيات جنيف ملاحقة المتورطين في هذه "المقصلة القانونية" فوق أراضيها.
3. محكمة الجنايات الدولية (ICC): تشكل هذه القوانين أدلة مادية دامغة للمدعي العام للمحكمة لفتح تحقيقات في سياسات القتل الممنهج التي تتبعها سلطات الاحتلال.
ختاماً أن قانون إعدام الأسرى هو أمر عسكري بزي مدني محاولة لشرعنة التصفية الجسدية لمن قاوم الاحتلال تحت غطاء قانوني زائف. إن العدالة التي تولد من رحم الانتقام السياسي هي جريمة بحد ذاتها.
على المجتمع الدولي ألا يكتفي ببيانات القلق، بل عليه أن يدرك أن الصمت عن إعدام الأسرى هو ضوء أخضر لإعدام ما تبقى من مصداقية للقانون الدولي الإنساني.
إن الشعوب التي تناضل من أجل تقرير مصيرها لا تكسر إرادتها المشانق، بل تتحول المشانق إلى منارات تضيء طريق الحرية.










