في قراءة تحليلية موسعة للحرب الدائرة في المنطقة، قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح، إن المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ولبنان تدخل مرحلة معقدة عنوانها العجز عن الحسم العسكري المباشر، مقابل تصاعد رهان قوى المقاومة على استنزاف طويل الأمد.
وأوضح مصلح أن ما وصفه بـ"الثنائي المريض" في إشارة إلى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على التماسك الداخلي، في ظل إدراك متزايد بأن خيار الضربة القاضية لم يعد واقعياً سواء في الجبهة اللبنانية أو الإيرانية. وأضاف أن الرهان على انهيار الخصم من الداخل يقابله رهان إيراني مضاد يقوم على إطالة أمد الصراع، وهو ما لا يخدم واشنطن وتل أبيب.
وأشار إلى أن عامل الزمن يشكل تهديداً مركزياً للطرف الأمريكي الإسرائيلي، مؤكداً أن كلاً من ترامب ونتنياهو يدركان أن "سيف الوقت" يعمل ضدهما، وأن الخوف الحقيقي يكمن في عنصر المفاجأة الذي قد توظفه طهران ومحور المقاومة، بما يحمله ذلك من تداعيات على الوجود الأمريكي في الخليج والقواعد العسكرية المنتشرة هناك.
المفاجأة من الداخل
وأضاف مصلح أن الخطر الأكبر لا يكمن في الرد العسكري الإيراني المباشر، بل في ما سماه "المفاجأة من الداخل"، أي احتمالات تآكل الجبهة الداخلية الأمريكية على غرار تجارب سابقة مثل حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت وحرب العراق. وأوضح أن التاريخ الأمريكي يظهر أن الرؤساء لا يسقطون فقط بفعل الهزائم العسكرية، بل نتيجة ضغط داخلي إعلامي وسياسي وشعبي متراكم.
وفي هذا السياق، بيّن أن السياق السياسي الحالي في أبريل 2026 يعكس حالة ضغط متزايد على الإدارة الأمريكية، حيث يسعى ترامب إلى توظيف شعار "أمريكا أولاً" في إدارة الحرب، وسط مؤشرات على تسييس المؤسسة العسكرية. كما لفت إلى أن نتنياهو يواجه أزمة داخلية حادة مرتبطة بمحاكمات الفساد واستمرار الاحتجاجات، ما يدفعه للبحث عن "نصر سريع" لإنقاذ مستقبله السياسي.
وأكد أن إيران تعتمد استراتيجية "الاستنزاف غير المتكافئ" عبر شبكة من الحلفاء تشمل حزب الله وقوى المقاومة العراقية وحركة أنصار الله في اليمن، إضافة إلى ترسانة صاروخية دقيقة، ما يجعل الصراع متعدد الجبهات ومرهقاً للطرف المقابل.
ترامب والسيناريوهات المحتملة
وأوضح مصلح أن هناك عدة سيناريوهات محتملة قد تؤثر على الداخل الأمريكي، من بينها ما وصفه بـ"تيت إيراني" يتمثل في ضربة نوعية مثل إسقاط طائرة متطورة أو استهداف قطعة بحرية، وهو ما قد يُحدث صدمة إعلامية مشابهة لهجوم "تيت" في فيتنام. كما أشار إلى سيناريو "ووترغيت عسكري" يقوم على تسريبات من داخل المؤسسات الأمريكية تكشف تضليل الرأي العام، ما قد يدفع أجهزة مثل FBI وCIA للتحرك.
وأضاف أن سيناريو "الإرهاق السريع" يظل قائماً في حال تصاعد الخسائر البشرية، سواء عبر استهداف جنود أمريكيين أو إسقاط طيارين، وهو ما قد يؤدي إلى احتجاجات داخلية وضغط سياسي متزايد، شبيهة بما حدث خلال حرب العراق. كما لفت إلى احتمال حدوث انشقاقات داخل الحزب الجمهوري نفسه، خاصة إذا بدأت وسائل إعلام محافظة بانتقاد الحرب.
أخطاء ترامب الثلاثة المركبة
وفي قراءته الاستراتيجية، أكد مصلح أن ترامب يكرر أخطاء تاريخية مركبة، مشيراً إلى ما وصفه بـ"غرور جونسون" في فيتنام، و"فضائح نيكسون" المرتبطة بتسييس المؤسسات، و"إرهاق بوش" في العراق. وأضاف أن العامل الجديد في هذه الحرب هو تسييس الجيش، ما قد يفتح الباب أمام تسريبات داخلية تمثل سلاحاً خطيراً بيد ما يُعرف بـ"الدولة العميقة".
وشدد على أن العامل الحاسم في هذه الحرب هو الزمن، قائلاً إن "الثنائي الأمريكي الإسرائيلي" يراهن على تحقيق إنجاز سريع خلال أسابيع، حيث تكون الخسائر محدودة والدعم الإعلامي قائماً. لكنه حذر من أن امتداد الحرب إلى أشهر سيؤدي إلى تسريبات واحتجاجات وانقسامات داخلية، بما يعيد إنتاج ما وصفه بـ"متلازمة فيتنام".
المنطق الزمني: "السرعة أو الموت"
وأشار إلى أن نتنياهو يسعى لتسريع وتيرة العمليات العسكرية لتحقيق نصر خاطف، لأن أي استنزاف طويل سيعني نهاية سياسية تدريجية له. وفي المقابل، تراهن إيران على ما وصفه بـ"الصبر الاستراتيجي"، من خلال إطالة أمد الصراع وتحريك الرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة.
وفي ختام تحليله، أكد مصلح أن احتمالات الانهيار الداخلي في الولايات المتحدة تظل قائمة في حال استمرار التصعيد لأكثر من شهر، مشيراً إلى أن مخرج الأزمة قد يكون عبر مفاوضات بوساطات إقليمية تشمل تركيا ومصر وباكستان والسعودية، في ظل إدراك متزايد لصعوبة الحسم العسكري واستحالة تحقيق نصر كامل.










