ليستِ الحُروبُ خطأً حين تَندلع…
بل حين تُدارُ دونَ سقفٍ واضح، أو تُدفَعُ إلى ما هو أبعدُ من أهدافِها.
اليوم، لا يَكمُنُ السُّؤالُ في مَن بدأَ المواجهة،
بل في مَن يُصِرُّ على توسيعِها… ومَن يَظُنُّ أنّه قادرٌ على ضبطِها.
في حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يبدو استمرارُ الحرب ضرورةً استراتيجية، بإضعافُ إيران، كَسرُ نُفوذِها، وإعادةُ رسمِ قواعدِ الردع في المنطقة.
لكنّ المشكلة لا تكمنُ في الأهداف… بل في الوسائل.
فحين تتحوّلُ الحربُ من عمليّةٍ محسوبة إلى مسارٍ مفتوحٍ بلا نهاية،
تبدأُ الأخطاءُ الكبرى بالظهور، ولو بدت في بدايتها قراراتٍ مدروسة.
إنّ زجَّ دولِ الخليج، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والكويت والبحرين وقطر في قلبِ هذه المواجهة، ليس تفصيلاً عابراً…
بل تحوّلٌ خطيرٌ في طبيعة الصراع.
فالخليجُ لم يَبْنِ استقرارَه على الحروب، بل على الاقتصاد، والانفتاح، والاستثمار. وأيُّ محاولةٍ لدفعِه إلى ساحةِ مواجهةٍ مباشرة، تعني عملياً نقلَ الحرب من كونِها نزاعاً إقليمياً…
إلى كونِها أزمةً عالميةً مفتوحة.
هنا، لا تعودُ المسألةُ صراعَ نفوذٍ فقط، بل تتحوّلُ إلى تهديدٍ مباشرٍ لشرايين الطاقة، وأسواق المال، واستقرار العالم بأسره.
فهل تُخطِئُ هذه القوى؟
الجوابُ ليس بسيطاً… لكنّه واضح في جوهرها نعم، تُخطِئُ إذا اعتقدت أنّ بإمكانها توسيعُ الحرب دون أن تفقد السيطرة عليها.
نعم، تُخطِئُ إذا ظنّت أنّ إشراكَ الخليج سيبقى ضمن حدودٍ يمكن ضبطُها.
نعم، تُخطِئُ إذا تجاهلت أنّ الحروبَ حين تتشعّب… لا تعودُ قابلةً للإدارة.
لكن، في المقابل قد ترى أنّ التراجعَ ضعف، وأنّ التردّدَ يمنحُ خصومَها فرصةً لإعادة ترتيبِ أنفسهم،
وأنّ الضغطَ المستمرّ هو الطريقُ الوحيد لفرضِ واقعٍ جديد.
وهنا، تكمنُ المعضلة.
إنّ ما نَشهَدُه اليوم ليس قراراً بالحسم، بل رهانٌ على القدرةِ على التحكّم بالفوضى.
وهذا أخطرُ أنواعِ الرهانات.
لأنّ التاريخَ يُخبرُنا أنّ الحروبَ لا تنفجرُ دائماً بقرارٍ كبير،
بل أحياناً بخطأٍ صغير…
بتقديرٍ خاطئ، أو ردٍّ غير محسوب، أو لحظةِ اندفاعٍ تتجاوزُ العقل.
وعندها، لا يعودُ السؤال من كان على حق؟
بل من يستطيعُ إيقافَ الانهيار؟
في لحظةٍ كهذه، يصبحُ إدخالُ الخليج في قلبِ المواجهة مقامرةً عالية الكلفة،
ليس على مستوى المنطقة فقط، بل على مستوى العالم بأسره.
لأنّ استقرارَ الخليج ليس تفصيلاً جغرافياً…
بل ركيزةٌ من ركائزِ النظام الاقتصادي الدولي.
ومن يَعبثُ بهذه الركيزة، لا يُخاطِرُ بحربٍ إقليمية فقط…
بل يُخاطِرُ بفتحِ أبوابٍ قد لا تُغلَق.
وفي زمنِ الحروبِ المعقّدة، لا يكونُ الخطأُ في إشعالِ النار…
بل في الاعتقادِ أنّه يمكنُ التحكّمُ بها بعد أن تَتمدّد.
وهنا، يكمنُ السؤالُ الحقيقي، هل ما زال القرارُ بيدِ مَن أشعلَ الحرب… أم أنّها بدأت تَخرُجُ عن السيطرة؟
لأنّ اللحظةَ التي تفقدُ فيها الحروبُ قابليّةَ الضبط،
لا تَعودُ المعاركُ هي المشكلة…
بل ما بعدها...










