20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: نعم نُريد أن نعيشَ بِسَلام… لا بِاستِسلام

في زمنٍ تختلطُ فيهِ المفاهيم، وتُشوَّه فيهِ المعايير، يَرتفعُ صوتٌ يقول: “نريدُ السلام”… لكنّ السؤالَ الحقيقيّ ليس في الكلمة، بل في معناها: أيُّ سلامٍ نريد؟

بقلم: د. ليون سيوفي
١١ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
15 مشاهدة
لبنان

لبنان

في زمنٍ تختلطُ فيهِ المفاهيم، وتُشوَّه فيهِ المعايير، يَرتفعُ صوتٌ يقول: “نريدُ السلام”… لكنّ السؤالَ الحقيقيّ ليس في الكلمة، بل في معناها: أيُّ سلامٍ نريد؟

هل نريدُ سلامًا يُشبهُ الراحةَ المؤقّتةَ التي تُخفي جرحًا عميقًا؟ أم سلامًا يقومُ على الكرامةِ والسيادةِ والحقّ؟

إنّ السَّلامَ الحقيقيّ ليس غيابَ الحرب فقط، بل هو حضورُ العدالة. ليس صمتَ المدافع، بل طمأنينةُ الشعوب. وليس اتفاقًا على الورق، بل توازنٌ يحفظُ الحقوق ولا يُصادرها.

لقد علّمنا التاريخ أنّ الأوطان التي قَبِلت “السلام بأيّ ثمن”، دفعت الثمنَ مضاعفًا لاحقًا. فالاستسلامُ لا يُنهي الصراع، بل يؤجّله… ويُعيدهُ في لحظةٍ أضعف، حين تكونُ الكلفةُ أكبر، والقدرةُ أقل.

بين “السلام” و”الاستسلام” خيطٌ دقيق، لكنّهُ واضح:
السلامُ قرارُ الأقوياء حين يَفرضون توازنًا يحميهم،
أمّا الاستسلامُ فهو خيارُ المُنهكين حين يَتخلّون عن حقوقهم هربًا من الألم.

نعم، نريدُ أن يعيشَ شعبُنا بأمان، أن يَنامَ دون خوف، وأن يَبني مستقبله دون تهديد. لكن هذا الحلم لا يتحقّق عبر التنازل عن السيادة، ولا عبر التطبيع مع واقعٍ ظالم، ولا عبر إلغاء الذات لإرضاء الآخر.

إنّ من يُسوّق لفكرة “السلام ولو على حساب كلّ شيء”، إنّما يطلبُ منّا أن نُقايض الكرامةَ بالهدوء، وأن نُسلّم القرار الوطنيّ مقابل استقرارٍ هشّ، سرعان ما ينهار عند أوّل اختبار.

ولذلك، يجب أن نكون واضحين:
لسنا دعاةَ حرب، لكنّنا أيضًا لسنا دعاةَ خضوع.
نرفضُ الموت، لكنّنا نرفضُ أيضًا حياةً بلا كرامة.

لبنان، هذا الوطن الصغير بحجمه، الكبير بتاريخه، لم يُبنَ على الاستسلام، بل على القدرةِ الدائمة على النهوض، وعلى التمسّك بحقّه في أن يكون سيّدًا حرًّا مستقلًّا.

الطريقُ إلى السلام يمرّ عبر بناء دولةٍ قوية، عادلة، قادرة على حماية شعبها، لا عبر الارتهان للخارج، ولا عبر إلغاء مكوّناتها، ولا عبر تسليم قرارها لمن لا يُشبهها.

متى يَصحو مَن يُريدون السلام؟

متى يُدركُ البعض أنّ ما يُطالبون به ليس سلامًا، بل استسلامٌ مُقنَّع؟
متى يَفهمون أنّ الطريقَ الأسهل ليس دائمًا الطريقَ الصحيح، وأنّ الهروبَ من الصراع لا يُنهيه، بل يُعيدُ تشكيله بشروطٍ أقسى؟

إنّ الوعي لا يأتي فجأة، بل يولدُ من التجربة.
وعادةً، لا تَكتشفُ الشعوبُ خطأَ “السلام بأيّ ثمن” إلا بعد أن تدفع ثمنه… سيادةً مفقودة، وقرارًا مُصادَرًا، ودولةً تُدار من خارجها.

المشكلة ليست في النيّة، فكثيرون يريدون فعلًا الخلاص من الألم والخوف، لكنّهم يخلطون بين:
راحةٍ مؤقّتة… وكرامةٍ دائمة،
وبين هدوءٍ هشّ… واستقرارٍ حقيقي.

هؤلاء لا يحتاجون إلى مواجهة، بل إلى مكاشفة:
أن يُقال لهم بوضوح إنّ الاستسلام لا يحمي، بل يُغري الآخرين بالمزيد من الضغط،
وأنّ التنازل حين لا يكون ضمن توازنٍ، يتحوّل إلى بدايةِ سلسلةِ تنازلات لا تنتهي.

في لبنان، كما في الشرق الأوسط، لم تكن المشكلة يومًا في الرغبة بالسلام، بل في شروطه.
فالسلام الذي لا يقوم على توازنٍ، يُصبح وصاية.
والسلام الذي لا يحفظ السيادة، يُصبح تبعية.
والسلام الذي يُفرض من الخارج، لا يصمد في الداخل.

لذلك، فإنّ الصحوة الحقيقية تبدأ حين نُعيد تعريف السلام:
ليس كخيارٍ للهروب، بل كخيارٍ واعٍ يُبنى من موقع القوّة،
قوّة الدولة، وقوّة الوحدة الداخلية، وقوّة القرار المستقل.

نعم، نريدُ السلام… لكن سلامًا يُشبهنا.
سلامًا لا يُهيننا، ولا يُقصينا، ولا يُفرّطُ بحقوقنا.
سلامًا نَعيشُ فيهِ بكرامة… لا بظلّ الاستسلام.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: نعم نُريد أن نعيشَ بِسَلام… لا بِاستِسلام - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°