في لحظةٍ مفصلية من تاريخ الشعوب، لا يكون السقوط حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسارٍ طويل من التنازلات الصغيرة، والصمت المريب، والانقسام الذي يتسلّل بهدوء حتى يصبح واقعاً لا يُقاوَم. هكذا سقطت أمم، وهكذا يُخشى أن يُدفع لبنان اليوم إلى مصيرٍ يشبه في رمزيّته لحظة الصلب: ليس لأنّ قوةً واحدة قرّرت ذلك، بل لأنّ البيئة أصبحت قابلة له.
حين نعود إلى مشهد آلام السيد المسيح عليه السلام، لا نرى فقط ظلماً وقع، بل نرى مشهداً كاملاً من التخاذل البشري... سلطةٌ خافت على موقعها فساومت، جمهورٌ انقاد خلف التحريض، وأصواتٌ كانت تعرف الحقيقة لكنها اختارت الصمت لأنّ كلفته أقل. لم يكن الجميع جلّادين، لكنّ كثراً ساهموا، كلّ بطريقته، في وصول الأمور إلى تلك النهاية.
لبنان اليوم يقف على مفترقٍ مشابه في جوهره، لا في شكله. هناك من يدفع باتجاه خيارات قد تُفقد الوطن توازنه وقراره، وهناك من يرفع شعار الإنقاذ، لكن بين هذا وذاك، يضيع المعيار الحقيقي: كيف نحمي الوطن دون أن نسلّمه، وكيف نُصلحه دون أن نُفكّكه، وكيف ننفتح دون أن نذوب.
الخطر لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في الداخل حين يتحوّل إلى ساحة انقسام حاد، يتبادل فيه الناس الاتهامات بدل أن يتشاركوا المسؤولية. عندها، يصبح كل فريق مقتنعاً أنّه يُنقذ الوطن، فيما هو، من حيث لا يدري، يساهم في تعميق أزمته. فالانقسام ليس مجرّد اختلاف، بل هو اللحظة التي يفقد فيها المجتمع قدرته على رؤية الخطر المشترك.
ولا يُصلب الوطن فقط عندما تُفرض عليه القرارات، بل عندما تُمرَّر بهدوء تحت عناوين براقة، فيُعتاد عليها، ثم تصبح أمراً واقعاً. التسليم التدريجي أخطر من الفرض المباشر، لأنّه يُفقد الناس حسّهم بالخطر، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة.
في المقابل، لا يكفي أن نرفض أو نعارض، لأنّ الرفض وحده لا يبني وطناً. المطلوب وعيٌ يميّز بين التسوية التي تحفظ الكرامة، وتلك التي تُفرّغها من معناها؛ بين الانفتاح الذي يعزّز الدولة، والانخراط الذي يُضعفها؛ بين القوة التي تحمي، والقوة التي تجرّ إلى مواجهة بلا أفق.
المسؤولية هنا ليست جماعية فقط، بل فردية أيضاً. كلّ تبرير لخطأ واضح، كلّ صمت عن خلل كبير، كلّ اصطفاف أعمى خلف زعيم أو فكرة، هو خطوة صغيرة في مسارٍ قد يقود إلى خسارة كبيرة. الأوطان لا تسقط فقط بقرارات كبرى، بل أيضاً بتراكم أخطاء يومية لا يُحاسَب عليها أحد.
إنّ إنقاذ لبنان لا يكون باختيار طرف ضد آخر، بل ببناء رؤية تتجاوز هذا الانقسام، رؤية تُعيد تعريف الدولة كمرجعية للجميع، لا كساحة صراع بين الجميع. دولةٌ تحفظ السيادة دون أن تعزل نفسها، وتُقيم علاقات دون أن تفقد قرارها، وتُصلح نظامها دون أن تنتقم من مكوّناتها.
التاريخ لا يُعيد نفسه حرفياً، لكنه يُعيد دروسه لمن لا يتعلّم. وما بين لحظة الصمت ولحظة الندم، مسافة قد تكون قصيرة جداً. لبنان لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى وعيٍ يسبق السقوط، وإرادةٍ تمنع تكرار المأساة قبل أن تتحوّل إلى واقع.










