إنّ تخليد الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية في شهر أبريل، رغم أن تاريخها الأصلي يعود إلى فبراير، ليس خللًا في ذاكرة الدولة الصحراوية، ولا عجزًا عن إحيائها في وقتها الطبيعي، بل هو فعلٌ مقصود، يحمل في طيّاته رسالة سياسية دقيقة، وصياغة واعية لتوقيت يخدم القضية ولا يخضع له.
فهذا التأخير لم يكن تراجعًا، بل تقدّمًا في الوعي السياسي، ولم يكن غفلة عن التاريخ، بل إعادة توجيه له، ليصبح أداة ضغط لا مجرد محطة احتفال. إنه قرار يُترجم نضج التجربة، وقدرة الشعب الصحراوي على تحويل الزمن نفسه إلى وسيلة نضال.
فهذا التوقيت لم يُختر عبثًا، بل جاء متزامنًا مع شهر يشهد انعقاد مجلس الأمن الدولي لمناقشة قضية الصحراء الغربية، وتقديم تقرير المبعوث الأممي، وكأنّ الشعب الصحراوي أراد أن يجعل من الذكرى صوتًا حيًّا يُسمع في أروقة القرار الدولي، لا صدىً عابرًا في ذاكرة المناسبات.
ولم يكن الشعب الصحراوي في هذا الموعد مجرد متفرّج على ذكرى، بل كان شريكًا في صناعتها من جديد؛ تفاعل معها بوعي، واحتضنها كحدث حيّ، تتجدّد فيه العزائم، وتُستنهض فيه الهمم، وتُجدّد فيه العهود. فتحوّلت الذكرى من طقسٍ سنوي إلى فعلٍ نضالي، ومن احتفالٍ رمزي إلى رسالة سياسية صريحة.
ومن هنا، فضّل الشعب الصحراوي تأجيل التخليد، ليحوّله من مجرد ذكرى تاريخية إلى موقف سياسي، ومن احتفال داخلي إلى رسالة موجّهة للعالم:
لا للحكم الذاتي، نعم لحق تقرير المصير.
إنها لحظة تأكيد على أن القضية لم تُطوَ، وأن الشعب الصحراوي ما زال ثابتًا على مواقفه، متشبثًا بحقوقه، مؤمنًا بعدالة قضيته، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
لقد أعاد الشعب تعريف الذكرى، وحرّرها من قيد التاريخ، وجعل منها موعدًا مفتوحًا مع النضال، ورسالةً متجددة تقول للعالم:
إننا هنا… باقون… نقاوم… وننتصر.
فالشعب الصحراوي باقٍ… والنصر آتٍ.







