20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من “مذكرة تفاهم” إلى طريق مسدود: قراءة في مفاوضات باكستان

شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة مفاوضات عالية المستوى بين الولايات المتحدة وإيران، استمرت لساعات طويلة داخل أحد أفخم فنادق المدينة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي. ورغم كثافة النقاشات، لم تنجح الأجواء المغلقة والمحادثات المكثفة في دفع الطرفين نحو اتفاق نهائي

بقلم: أخبار ومتابعات
١٣ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
من “مذكرة تفاهم” إلى طريق مسدود: قراءة في مفاوضات باكستان

من “مذكرة تفاهم” إلى طريق مسدود: قراءة في مفاوضات باكستان

شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة مفاوضات عالية المستوى بين الولايات المتحدة وإيران، استمرت لساعات طويلة داخل أحد أفخم فنادق المدينة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي. ورغم كثافة النقاشات، لم تنجح الأجواء المغلقة والمحادثات المكثفة في دفع الطرفين نحو اتفاق نهائي. ومع ذلك، اعتُبر مجرد انعقاد اللقاء بحد ذاته مؤشراً على أن قنوات الحوار لا تزال مفتوحة.

وجاءت هذه الجولة كأعلى مستوى من اللقاءات المباشرة بين الجانبين منذ الثورة الإيرانية عام 1979، حيث استمرت المحادثات طوال الليل في بيئة غير معتادة على هذا النوع من الدبلوماسية الدولية الحساسة. وبدت إسلام آباد، المدينة الهادئة نسبياً، مسرحاً غير تقليدي لبحث قضايا ترتبط بالأمن العالمي والاستقرار الإقليمي.

ولعبت باكستان دور الوسيط مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع كل من طهران وواشنطن، إضافة إلى عدم انخراطها المباشر في الحرب. هذا الموقع منحها القدرة على جمع الطرفين على طاولة واحدة، في محاولة لتقريب وجهات النظر رغم التعقيدات العميقة التي تحكم هذا الملف.

عرض واشنطن في المفاوضات

قدّمت الولايات المتحدة خلال المفاوضات ما وصفته بـ"الصفقة الكبرى"، والتي تضمنت رفع العقوبات عن إيران وإعادة دمجها في المجتمع الدولي، بل وفتح المجال أمام شراكات مستقبلية. وسعت واشنطن من خلال هذا العرض إلى اختبار مدى استعداد القيادة الإيرانية لتغيير موقفها بعد الخسائر التي تكبدتها خلال أسابيع الحرب.

ورأت الإدارة الأمريكية أن الضربات العسكرية الواسعة، التي امتدت لأسابيع، قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية، خاصة في ظل استهداف بنى عسكرية ومواقع استراتيجية. لكن هذا التقدير لم يترجم عملياً على طاولة المفاوضات، حيث تمسكت إيران بمواقفها الأساسية.

وأكد مسؤولون أمريكيون أن النقطة الحاسمة في المفاوضات تمثلت في الملف النووي، حيث اشترطت واشنطن إنهاء تخصيب اليورانيوم بالكامل، وتفكيك المنشآت الرئيسية، والتخلي عن المخزون الحالي من المواد المخصبة. هذه الشروط اعتُبرت خطوطاً حمراء لا يمكن التراجع عنها من الجانب الأميركي.

موقف طهران

في المقابل، اعتبرت إيران أنها خرجت من الحرب بمكاسب استراتيجية، أبرزها تعزيز سيطرتها على مضيق هرمز، ما منحها ورقة ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي. هذا الشعور بالقوة جعلها أقل استعداداً لتقديم تنازلات تُفسر على أنها استسلام للضغوط الأمريكية.

وأكدت طهران أن برنامجها النووي يمثل حقاً سيادياً، خاصة في ما يتعلق بالتخصيب لأغراض سلمية، وهو ما تراه جزءاً من حقوقها بموجب المعاهدات الدولية. كما رفضت المطالب الأميركية التي اعتبرتها "تعجيزية"، خصوصاً تلك المتعلقة بتفكيك كامل للبنية النووية.

وشددت القيادة الإيرانية على أن فقدان الثقة في الولايات المتحدة يمثل عائقاً أساسياً أمام أي اتفاق، في ظل تجارب سابقة شهدت، بحسب طهران، نقضاً للالتزامات. لذلك طالبت بضمانات حقيقية بإنهاء الحرب وعدم استئناف العمليات العسكرية بعد تقديم أي تنازلات.

نقاط الخلاف

تمحورت الخلافات الرئيسية بين الطرفين حول عدة ملفات حساسة، أبرزها البرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، إضافة إلى قضايا العقوبات والتعويضات. ولم يتمكن الطرفان من إيجاد صيغة مشتركة تلبي الحد الأدنى من مطالب كل جانب.

كما رفضت إيران مطالب أمريكية أخرى، مثل وقف دعم حلفائها في المنطقة، وفتح مضيق هرمز بشكل كامل دون فرض رسوم عبور. في المقابل، أصرت واشنطن على هذه الشروط باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

ووصف مراقبون هذه الفجوة بأنها "هيكلية"، تعكس اختلافاً جذرياً في الرؤى الاستراتيجية، وليس مجرد خلافات تكتيكية يمكن حلها بجولة أو اثنتين من التفاوض. لذلك، بدا أن الوصول إلى اتفاق يتطلب إعادة صياغة شاملة لمقاربات الطرفين.

دور الوساطة

حاولت باكستان إنقاذ المفاوضات عبر تكثيف جهود الوساطة، حيث استمر الجانب الإيراني في التواصل مع الوسطاء حتى بعد مغادرة الوفد الأمريكي. وشهدت الكواليس تبادل رسائل ومقترحات في محاولة لتقريب وجهات النظر.

ولعبت العلاقات الشخصية والعسكرية دوراً في تسهيل هذا المسار، خاصة مع وجود قنوات اتصال بين القيادة الباكستانية وكل من واشنطن وطهران. كما تم الحديث عن إمكانية استمرار الوساطة عبر نقل رسائل بين الطرفين تمهيداً لجولة جديدة.

وأكد مسؤولون باكستانيون أن العملية التفاوضية لم تنتهِ، وأن هناك احتمالاً لعودة إيران بمقترحات جديدة بعد التشاور الداخلي. هذا يشير إلى أن الوساطة لا تزال قائمة، رغم تعثر الجولة الحالية.

آفاق الحل

رغم الفشل في التوصل إلى اتفاق، لم يُعلن أي من الطرفين انسحابه الكامل من المسار الدبلوماسي، ما يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف المفاوضات. وأكدت تصريحات عدة أن العملية لم تصل إلى نهايتها بعد.

لكن في المقابل، تظل المخاطر قائمة، خاصة مع إعلان الولايات المتحدة نيتها فرض حصار بحري على مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد جديد. وقد حذرت إيران من أن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى مواجهة أوسع.

وفي هذا السياق، يبدو أن مستقبل المفاوضات سيعتمد على قدرة الطرفين على تخفيف سقف مطالبهما، وتقديم تنازلات متبادلة. فبين كلفة الحرب المرتفعة وتعقيدات السياسة، تبقى نافذة الحل السياسي مفتوحة، لكنها تضيق مع كل تصعيد جديد.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال