منذ استئناف المواجهة مع المقاومة الإسلامية في لبنان، يقرّ محللون عسكريون إسرائيليون، بأن حزب الله نجح في إعادة صياغة نمط قتاله. فقد انتقل من نموذج "النيران الكثيفة" إلى نموذج "الاستنزاف الذكي"، معتمداً على حرب العصابات، والضربات المركزة ضد القوات الإسرائيلية المنتشرة جنوب لبنان، خاصة في نطاق ما بين الحدود ونهر الليطاني.
هذه المقاربة سمحت لحزب الله بالحفاظ على وتيرة نارية يومية تُقدّر بنحو 200 صاروخ ومسيّرة، وهو رقم يفوق التقديرات الإسرائيلية المسبقة، ويعكس قدرة تنظيمية لم تتآكل رغم الضربات. الأهم في التقييم الإسرائيلي أن الحزب استغل فترات التهدئة السابقة لإعادة بناء قدراته، ما كشف خللاً في تقدير نتائج "حرب 2024" التي اعتُبرت حينها إنجازاً حاسماً.
على المستوى الميداني، يواجه الجيش الإسرائيلي تحدياً بنيوياً يتمثل في طبيعة البيئة القتالية. فالمعارك في قرى الجنوب – مثل بنت جبيل وغيرها – تعيد إنتاج تجربة سابقة قائمة على الاشتباك القريب، والكمائن، واستخدام الصواريخ المضادة للدروع. وتشير التقديرات إلى أن حزب الله لا يزال يحتفظ ببنى تحتية قتالية فعالة، تشمل مراكز قيادة ومخابئ وأنفاق، إضافة إلى انتشار مرن لعناصره داخل القرى.
في هذا السياق، يظهر أن سيطرة الجيش الإسرائيلي على "الخط الثاني" بعمق 8–10 كيلومترات لم تحسم المعركة، بل خففت فقط من بعض التهديدات المباشرة، في حين استمر الحزب في استخدام صواريخ ذات مسارات عالية لا تتطلب خط رؤية مباشر، ما أبقى الجبهة الشمالية تحت ضغط مستمر.
القراءة الإسرائيلية تتوقف أيضاً عند نقطة مركزية: حزب الله نجح في "جرّ" الجيش الإسرائيلي إلى نمط القتال الذي يفضّله. فبدلاً من حسم سريع، تجد إسرائيل نفسها في حرب استنزاف برية محدودة، مع انتشار واسع للقوات دون قدرة على تحقيق اختراق استراتيجي حاسم. هذا ما دفع بعض الجنرالات الإسرائيليين للتحذير من تكرار سيناريوهات سابقة، حيث تتحول العمليات إلى نزيف طويل دون تحقيق أهداف سياسية واضحة.
في المقابل، تكشف النقاشات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن فجوة واضحة بين الطموح السياسي والقدرة العسكرية. فبينما يعلن المستوى السياسي هدف "نزع سلاح حزب الله"، يقرّ ضباط كبار بأن هذا الهدف غير قابل للتحقيق في إطار العملية الحالية، وأن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو تقليص قدرات الحزب جنوب الليطاني.
الأهم في التقييم الإسرائيلي أن حزب الله، رغم ما تعرض له من خسائر بشرية ومادية، لم يفقد "فكرة الحرب"، بل أعاد إنتاجها. فقد استوعب دروس المواجهات السابقة، بما فيها الحرب في أوكرانيا، وطور استخدامه للمسيّرات، ورفع من كفاءة انتشاره الميداني، معتمداً على المرونة واللامركزية.
كما تشير التقديرات إلى أن الحزب يقاتل وفق هدف استراتيجي واضح: إلغاء نتائج ما بعد حرب 2024، وإجبار إسرائيل على التراجع عن مكاسبها الميدانية، واستعادة قواعد الاشتباك السابقة. وفي هذا الإطار، تصبح القدرة على الاستمرار – وليس الحسم – هي معيار النجاح.
على المستوى الاستراتيجي الأوسع، تربط التحليلات الإسرائيلية بين أداء حزب الله وسياق الحرب مع إيران، معتبرة أن الحزب يشكل جزءاً من منظومة إقليمية تسعى إلى توزيع الضغط واستنزاف إسرائيل على أكثر من جبهة. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة تفرض أيضاً قيوداً على الحزب، خاصة في ظل الحسابات الإيرانية الأوسع.
في المحصلة، تعكس القراءة الإسرائيلية تحوّلاً مهماً في فهم أداء حزب الله: من تنظيم كان يُنظر إليه كتهديد صاروخي تقليدي، إلى خصم قادر على إدارة حرب مركبة تجمع بين الاستنزاف، والمرونة التكتيكية، واستغلال البيئة الجغرافية والسياسية. ورغم الإقرار بإضعافه نسبياً، إلا أن التقدير الغالب يؤكد أن الحزب لا يزال يمتلك ما يكفي من الأدوات لإطالة أمد الحرب ومنع إسرائيل من تحقيق نصر حاسم، وهو ما يضع تل أبيب أمام معضلة استراتيجية مفتوحة بين التصعيد غير المضمون، أو القبول بتسوية لا ترقى إلى أهدافها المعلنة.










