21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حين يتحول الهدوء إلى احتلال: جنوب لبنان في معادلة القوة المفتوحة

منذ إعلان  إسرائيل عام 1948، بدا لبنان – في نظر الإسرائيليين – الجار الأكثر هدوءًا واستقرارًا مقارنة ببقية الدول العربية، حيث حافظت الحدود الدولية على مستوى منخفض من التوتر

بقلم: أخبار ومتابعات
١٥ أبريل ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
28 مشاهدة
لبنان

لبنان

منذ إعلان  إسرائيل عام 1948، بدا لبنان – في نظر الإسرائيليين – الجار الأكثر هدوءًا واستقرارًا مقارنة ببقية الدول العربية، حيث حافظت الحدود الدولية على مستوى منخفض من التوتر، بينما أُديرت الدولة اللبنانية وفق نظام طائفي معقد منح المسيحيين الموارنة موقع الهيمنة السياسية، في ظل دستور صُمم بعناية ليوازن بين الطوائف، لكنه في الواقع كرّس اختلالًا بنيويًا في السلطة.

وخلال تلك المرحلة، ازدهر الاقتصاد اللبناني بشكل لافت، وتحولت بيروت إلى مركز مالي وتجاري بارز في الشرق الأوسط، حتى لُقّبت بـ"باريس الشرق". غير أن هذا الاستقرار الظاهري كان يخفي هشاشة عميقة في بنية الدولة، وهو ما سيتكشف لاحقًا مع أول اختبار حقيقي لسيادتها.

تحولات الستينيات

وقال إيرز وينر وغابي سيبوني في القناة 12 الإسرائيلية، ابتداءً من ستينيات القرن الماضي، بدأت ملامح أزمة متصاعدة تتشكل داخل لبنان، مع تدفق موجات اللاجئين الفلسطينيين الذين استقروا في أراضيه بعد نكبة 1948، ثم تضاعف هذا الحضور بعد أحداث "أيلول الأسود" في الأردن، حين أُجبرت التنظيمات الفلسطينية على الانتقال إلى لبنان.

هذا التحول لم يكن ديموغرافيًا فقط، بل كان أمنيًا وسياسيًا بامتياز، إذ تحوّل جنوب لبنان تدريجيًا إلى ما يشبه "دولة داخل الدولة"، مع تمركز منظمة التحرير الفلسطينية، وتنامي نفوذها العسكري، الأمر الذي زاد من حدة التوتر بينها وبين الحكومة اللبنانية، وساهم بشكل مباشر في إشعال الحرب الأهلية.

وفي هذا السياق، تبلور إدراك إسرائيلي يعتبر أن لبنان لم يعد دولة ذات سيادة حقيقية بالمعنى التقليدي، بل ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية تُدار من قِبل أطراف خارجية، مثل سورية والتنظيمات الفلسطينية، وهو ما جعل الجنوب اللبناني منصة دائمة للعمليات ضد إسرائيل.

الليطاني والدروس

في آذار 1978، أطلقت إسرائيل عملية "الليطاني"، كأول تدخل عسكري واسع داخل الأراضي اللبنانية، بهدف إبعاد قوات منظمة التحرير إلى ما وراء نهر الليطاني، وإنشاء منطقة عازلة تمنع التسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي تمكن سريعًا من السيطرة على مساحات واسعة والوصول إلى ضفاف النهر، فإن العملية لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، إذ عادت قوات المنظمة إلى الجنوب خلال فترة قصيرة. ومن هنا، ترسخ في العقل العسكري الإسرائيلي درس أساسي: العمليات المؤقتة لا تضمن الهدوء، وأن غياب وجود دائم يفتح الباب لعودة التهديدات.

اجتياح 1982

في عام 1982، ومع تصاعد الهجمات الصاروخية ومحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، شنّت إسرائيل عملية "سلامة الجليل"، التي انتهت باحتلال كامل جنوب لبنان والتقدم حتى العاصمة بيروت، حيث أُجبرت منظمة التحرير على مغادرة البلاد.

ورغم توقيع اتفاق كان يُفترض أن يمهد لسلام شامل، فإن اغتيال بشير الجميل أعاد البلاد إلى دوامة الحرب الأهلية، وأفشل المسار السياسي. وفي عام 1985، انسحبت إسرائيل جزئيًا، لكنها أبقت على "الحزام الأمني" عبر دعم جيش لبنان الجنوبي، في محاولة لإدارة التهديد بدلًا من إنهائه.

صعود حزب الله

خلال تلك المرحلة، برز "حزب الله" كتنظيم شيعي ناشئ بدعم مباشر من إيران، وسرعان ما أعلن أهدافه التي تضمنت تدمير إسرائيل وإقامة دولة إسلامية على النموذج الإيراني، وهو ما كشف عن تحول نوعي في طبيعة التهديد داخل لبنان.

ومع مرور السنوات، نجح الحزب في تعزيز قدراته العسكرية والتنظيمية، مستفيدًا من البيئة السياسية الهشة، ومن التردد الإسرائيلي في حسم المواجهة. وفي المقابل، تصاعد الجدل داخل إسرائيل حول جدوى البقاء في "الحزام الأمني" في ظل الخسائر البشرية.

انسحاب 2000

في أيار 2000، قررت حكومة إيهود باراك الانسحاب من جنوب لبنان بشكل أحادي ودون اتفاق، وهو قرار ترك تداعيات عميقة، أبرزها التخلي عن حلفاء إسرائيل المحليين، الذين وجدوا أنفسهم أمام مصير غامض بين الفرار أو الانتقام.

كما حرصت إسرائيل على الانسحاب وفق الحدود الدولية بدقة للحصول على اعتراف أممي، حتى لو كان ذلك على حساب مواقع استراتيجية مهمة. لكن هذا الانسحاب، إلى جانب عدم الرد على عمليات مثل اختطاف الجنود، ساهم في ترسيخ صورة إسرائيل كدولة ضعيفة في نظر خصومها، وهو ما عززه خطاب حسن نصر الله الشهير عن "بيت العنكبوت".

حرب 2006

اندلعت حرب لبنان الثانية في تموز 2006، بعد عملية نفذها "حزب الله" أسفرت عن مقتل واختطاف جنود إسرائيليين. وقد كشفت الحرب عن ارتباك واضح في الأداء العسكري الإسرائيلي، خاصة في إدارة العمليات البرية.

ورغم الضربات التي تعرض لها الحزب، خصوصًا في الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن قرار مجلس الأمن 1701، الذي نص على إبعاده عن الجنوب، لم يُنفذ فعليًا. وبدلًا من ذلك، نشأ نوع من الردع المتبادل، سمح للحزب بإعادة بناء قوته تحت غطاء هذا التوازن الهش.

ما قبل 2023

خلال السنوات التالية، توسع "حزب الله" إقليميًا، وشارك في الحرب في سورية منذ عام 2011، كما طور قدراته، بما في ذلك إنشاء أنفاق هجومية نحو داخل إسرائيل، كُشف بعضها خلال عملية "درع الشمال" بين 2018 و2019.

هذا التراكم العسكري جرى في ظل تجاهل دولي واضح، شبيه بما حدث في قطاع غزة، حيث سمح الصمت الدولي ببناء قدرات عسكرية ضخمة تحت ذرائع سياسية وأمنية.

ما بعد أكتوبر

شكّل هجوم 7 أكتوبر 2023 في غزة نقطة تحول كبرى في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذ أعاد صياغة مفهوم الردع نحو ما يُعرف بـ"السلام عبر القوة"، وهو مفهوم يقوم على المبادرة الهجومية بدلًا من الاكتفاء برد الفعل.

وفي هذا السياق، دخل "حزب الله" المواجهة بشكل محدود في اليوم التالي، في خطوة محسوبة تهدف إلى الحفاظ على توازنه العسكري، خصوصًا في ظل ارتباطه الوثيق بإيران، التي تُعد الداعم الرئيسي له.

تصعيد 2024

بعد أشهر من التصعيد، انتقلت إسرائيل إلى مرحلة الهجوم المباشر، بدءًا بعمليات نوعية، وصولًا إلى اغتيال حسن نصر الله في أيلول 2024، واستهداف القيادة العليا للحزب، بالتوازي مع عمليات برية محدودة لتدمير البنية التحتية قرب الحدود.

ورغم أن وقف إطلاق النار في نهاية 2024 – الذي جاء بضغط من إدارة جو بايدن – أوقف الزخم العسكري، فإن "حزب الله" خرج من المواجهة ضعيفًا لكنه لم يُهزم، بينما استمرت إسرائيل في تمركزها داخل نقاط حدودية متقدمة.

معادلة 2026

في آذار 2026، دخل "حزب الله" جولة جديدة من القتال ضمن عملية "زئير الأسد"، لكن بحذر واضح، حيث تجنب الزج بكامل قوته، محاولًا الحفاظ على ما تبقى من قدراته الاستراتيجية.

هذا السلوك، رغم حذره، منح إسرائيل مبررًا دوليًا لتوسيع عملياتها العسكرية، في إطار عقيدة أمنية جديدة تقوم على الحسم لا الاحتواء، مستفيدة من لحظة تلاقي ضعف الحزب مع الأزمة التي تمر بها إيران.

الاقتصاد الإيراني

يرى الكاتبان أن تفكيك "حزب الله" لا يمكن أن يتحقق دون ضرب مصدر قوته الأساسي، أي إيران، سواء عبر تغيير داخلي في النظام – وهو احتمال ضعيف – أو عبر استنزاف قدراته العسكرية والاقتصادية.

ويُعد استهداف الاقتصاد الإيراني، وفق هذا الطرح، أداة مركزية لتقليص قدرة طهران على تمويل حلفائها، وهو ما قد ينعكس مباشرة على بنية "حزب الله" واستمراريته.

منطقة عازلة

على المستوى الميداني، يقترح الكاتبان إنشاء منطقة عازلة واسعة تمتد من الحدود الدولية حتى نهر الليطاني، مع توسيعها شرقًا لتشمل مواقع استراتيجية إضافية، على أن تُخلى من السكان وتُدار كمنطقة عسكرية خالصة.

هذا الطرح يعكس نموذجًا مشابهًا لما جرى في غزة، حيث تُستخدم القوة العسكرية لفرض واقع جغرافي جديد، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول الكلفة الإنسانية، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أثبتت أن تهجير السكان لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار دائم، بل قد يخلق دورات جديدة من العنف.

ضرب العمق

بالتوازي، يدعو الكاتبان إلى توسيع العمليات العسكرية لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، مع استهداف شامل للبنية التحتية العسكرية والاقتصادية لـ"حزب الله"، بما في ذلك الصواريخ الدقيقة، ومراكز القيادة، وشبكات الإمداد.

هذا التصور يقوم على منطق التدمير الشامل بدلًا من الاحتواء، وهو نهج أثبت في تجارب سابقة – خاصة في غزة منذ أكتوبر 2023 – أنه يؤدي إلى دمار واسع دون ضمان تحقيق الأهداف السياسية المعلنة، بحسب تقارير أممية متعددة.

توظيف الانقسام

في جانب آخر، يشير المقال إلى إمكانية استغلال التوترات الداخلية في لبنان، خاصة مع نزوح مئات الآلاف من الشيعة من مناطقهم، وما يرافق ذلك من احتكاكات اجتماعية، كوسيلة للضغط على "حزب الله".

غير أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات البنية اللبنانية، حيث غالبًا ما تؤدي الضغوط الخارجية إلى تعزيز الالتفاف الداخلي بدلًا من تفكيكه، وهو ما حدث مرارًا خلال الحروب السابقة.

بين القوة والاستقرار

يخلص الطرح إلى أن تحقيق "الهدوء" في الشمال، وفق الرؤية الإسرائيلية، يتطلب مزيجًا من السيطرة العسكرية المباشرة، وتدمير الخصم، والضغط الإقليمي على داعميه، وهي معادلة تقوم على فرض الوقائع بالقوة.

لكن التجربة الممتدة منذ 1978 حتى اليوم تُظهر أن هذا النهج، رغم ما يحققه من مكاسب مؤقتة، لم ينجح في إنتاج استقرار دائم، بل ساهم في إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا، وهو ما يطرح سؤالًا مفتوحًا: هل يمكن فرض الأمن بالقوة وحدها، أم أن تجاهل جذور الصراع سيبقي المنطقة في دائرة لا تنتهي من المواجهة؟

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال