سلّط الكاتب أوين جونز الضوء، في مقال نشرته صحيفة الجارديان، على التحولات اللافتة داخل تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن بعض أبرز رموزه بدأوا بالتراجع عن مواقفهم المؤيدة للحروب في الشرق الأوسط بعد عقود من الترويج لها. واعتبر جونز أن هذه المراجعات تأتي متأخرة للغاية، بعد أن دفعت المنطقة أثماناً بشرية وسياسية هائلة.
وأكد أن ملايين الضحايا سقطوا نتيجة ما وصفه بـ"المغامرات العسكرية الكارثية" التي قادتها الولايات المتحدة، في حين لم يواجه المدافعون عنها أي مساءلة حقيقية. هذا الواقع، وفق تحليله، يعكس خللاً عميقاً في بنية النظام السياسي والإعلامي الغربي، الذي سمح بتكرار الأخطاء دون محاسبة.
وأشار إلى أن هذه التحولات الفكرية لا تمثل مراجعة أخلاقية بقدر ما تعكس اعترافاً متأخراً بالنتائج الكارثية، بعد أن أصبحت الوقائع على الأرض غير قابلة للإنكار، ما يطرح تساؤلات حول جدوى هذه المواقف بعد فوات الأوان.
اعترافات كاغان
استند جونز في تحليله إلى مقال للكاتب الأمريكي روبرت كاغان، الذي يُعد من أبرز منظّري المحافظين الجدد، حيث أقر بأن خطر الإرهاب في الشرق الأوسط كان نتيجة مباشرة للتدخلات الأمريكية. هذا الاعتراف يمثل تحولاً لافتاً في خطاب أحد أبرز المدافعين عن تلك السياسات.
وانتقد كاغان في مقاله الانخراط الأمريكي العميق والمستمر في العالم الإسلامي منذ أربعينيات القرن الماضي، معتبراً أن هذا النهج ساهم في إنتاج بيئات عدم الاستقرار والعنف. هذه القراءة تعكس تحولاً من خطاب الهيمنة إلى خطاب المراجعة، ولو بشكل متأخر.
غير أن جونز يرى أن هذا الاعتراف، رغم أهميته، لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الترويج للحروب، حيث كان كاغان من أبرز المؤيدين لغزو العراق، واعتبر حينها أن التدخل سيحقق تحولاً إيجابياً في العالم العربي، وهو ما يتناقض مع استنتاجاته الحالية.
تحولات غير فريدة
يرى جونز أن تحول كاغان ليس حالة استثنائية، بل يأتي ضمن موجة أوسع من المراجعات التي قام بها سياسيون ومفكرون غربيون بعد عقود من دعم التدخلات العسكرية. هذه التحولات تعكس إدراكاً متأخراً لحجم الكارثة التي تسببت بها تلك السياسات.
وأشار إلى أن العديد من الشخصيات التي دعمت الحروب عادت لاحقاً للاعتراف بخطئها، لكن بعد أن كانت نتائج تلك القرارات قد ترسخت على الأرض في شكل دمار واسع وفوضى سياسية. هذا النمط المتكرر يكشف غياب آليات المحاسبة الفعلية.
ويؤكد أن هذه المراجعات، رغم أهميتها، لا تعوض عن الخسائر البشرية الهائلة، ولا تبرر استمرار نفس النخب في مواقع التأثير، ما يعكس أزمة عميقة في منظومة اتخاذ القرار في الغرب.
أمثلة على التراجع
استعرض جونز عدداً من الأمثلة البارزة على هذه المراجعات، من بينها تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، التي أقرت بأنها لم تكن لتدعم حرب العراق لو كانت تمتلك المعلومات الحالية. هذا الاعتراف يعكس تغيراً في تقييم تلك الحرب بعد سنوات من اندلاعها.
كما أشار إلى اعتراف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بأن الفوضى التي أعقبت التدخل في ليبيا كانت "أسوأ خطأ" ارتكبه، وهو ما يعكس إدراكاً متأخراً لتداعيات التدخلات العسكرية. هذه التصريحات تؤكد أن النتائج جاءت بعكس التوقعات التي رُوّج لها.
وتطرق أيضاً إلى تجربة الكاتب البريطاني الأمريكي أندرو سوليفان، الذي دعم غزو العراق ثم عاد ليجمع كتاباته في مؤلف يعترف فيه بخطئه. هذه النماذج، وفق جونز، تعكس نمطاً متكرراً من الحماسة للحرب يتبعه ندم متأخر.
استمرار خطاب الحرب
في المقابل، أشار جونز إلى أن بعض الشخصيات لم تتراجع عن مواقفها، وعلى رأسها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي لا يزال يدافع عن السياسات التدخلية. ولفت إلى تصريحات حديثة له أكد فيها أن بلاده كان ينبغي أن تدعم الولايات المتحدة منذ البداية في الحرب مع إيران.
هذا الموقف يعكس استمرار تيار داخل النخب الغربية يتمسك بخيار القوة العسكرية رغم التجارب السابقة، ما يثير مخاوف من تكرار نفس الأخطاء. ويؤكد جونز أن هذا الإصرار يمثل خطراً على الاستقرار الدولي.
ويرى أن غياب الاعتذار أو المراجعة من قبل هذه الفئة يعكس إنكاراً للواقع، واستمراراً في تبني سياسات أثبتت فشلها، ما يهدد بإعادة إنتاج الأزمات نفسها في سياقات جديدة.
كلفة الأخطاء الاستراتيجية
يشدد جونز على أن أخطاء دعاة الحرب في القرن الحادي والعشرين كانت شاملة، ولم تقتصر على تقديرات خاطئة، بل امتدت إلى نتائج كارثية تم قياسها بالدمار والضحايا والفوضى في دول مثل العراق وأفغانستان وليبيا، وصولاً إلى التصعيد الحالي مع إيران.
ويؤكد أن هذه الحروب لم تحقق الأهداف المعلنة، بل ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة وتعزيز النزاعات، ما يكشف فشل الرؤية الاستراتيجية التي قامت عليها. هذا الفشل، وفق التحليل، لا يزال مستمراً في السياسات الحالية.
كما يشير إلى أن الكلفة لم تكن إقليمية فقط، بل انعكست أيضاً على الداخل الغربي، من خلال أزمات اقتصادية وسياسية، ما يعزز الحاجة إلى مراجعة شاملة لهذه السياسات.
تحولات الرأي العام
في هذا السياق، يرى جونز أن الشعب الأمريكي بدأ يدرك تدريجياً كلفة هذه الحروب، رغم غياب المحاسبة للنخب السياسية. ويشير إلى أن الحروب السابقة، مثل فيتنام والعراق وأفغانستان وليبيا، حظيت بدعم شعبي في بداياتها.
غير أن الحرب مع إيران، بحسب تحليله، تمثل تحولاً نوعياً، حيث لم تحظَ بتأييد شعبي واسع منذ البداية، ما يعكس تغيراً في وعي الرأي العام الأمريكي تجاه التدخلات العسكرية. هذا التحول قد يشكل عاملاً مؤثراً في السياسات المستقبلية.
ويؤكد أن هذا الإدراك الشعبي جاء نتيجة تجربة قاسية، حيث باتت المجتمعات الغربية أكثر حساسية تجاه كلفة الحروب، ما يضع قيوداً إضافية على صناع القرار.
دعوة للمحاسبة
يختتم جونز مقاله بالدعوة إلى ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه السياسات، مشيراً إلى أن استمرار غياب المساءلة يفتح الباب لتكرار الأخطاء. ويرى أن فهم أسباب الوصول إلى هذا الوضع يمثل شرطاً أساسياً لتجاوزه.
ويحذر من أن الحروب والإبادة الجماعية وتنامي النزعات الاستبدادية لا تزال تهيمن على المشهد الدولي، ما يجعل الحاجة إلى مراجعة حقيقية أكثر إلحاحاً. هذا التحذير يعكس القلق من استمرار نفس المسارات.
ويؤكد أن أي أمل في مستقبل أفضل يظل مرهوناً بقدرة المجتمعات على مواجهة هذه الأخطاء بصدق، والعمل على تفكيك البنية التي أنتجتها، بدلاً من الاكتفاء باعترافات متأخرة لا تغير من الواقع شيئاً.








