قدم المحلل السياسي الفلسطيني محمد شاهين قراءة للمشهد الحالي الذي يربط بين الاتحاد الأوروبي ودولة الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الاتهامات الموجهة لإسرائيل بانتهاك القانون الدولي لم تعد مجرد خطاب سياسي أو شعارات تتردد في المحافل، بل تحولت إلى وقائع قانونية موثقة ومعززة بقرارات من أعلى الهيئات القضائية الدولية.
حيث أوضح في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" شاهين أن محكمة العدل الدولية وضعت إسرائيل في زاوية ضيقة بعد استنتاجها عدم قانونية الاحتلال والمطالبة بإخلاء المستوطنات، بالإضافة إلى إقرارها بوجود خطر معقول لارتكاب إبادة جماعية في غزة، وهو ما جعل الامتثال للأوامر المؤقتة، مثل وقف العمليات العسكرية في رفح وضمان تدفق المساعدات، التزاماً قانونياً تتهرب منه إسرائيل، مما يضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار حقيقي لمصداقية قوانينه واتفاقياته المبرمة.
الأبعاد القانونية والمراجعة الأوروبية الحاسمة
توقف المحلل محمد شاهين عند نقطة تحول جوهرية حدثت في يونيو 2025، عندما أجرى الاتحاد الأوروبي مراجعة قانونية رسمية خلصت إلى أن إسرائيل تنتهك فعلياً المادة الثانية من اتفاقية الشراكة، وهي المادة التي تشترط احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية كقاعدة أساسية لاستمرار العلاقة.
ويرى شاهين أن هذه النتيجة ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي إدانة تعاقدية تجعل من استمرار العمل بالاتفاقية دون اتخاذ تدابير عقابية انتهاكاً صارخاً للقانون الأوروبي الداخلي قبل أن يكون انتهاكاً للقانون الدولي، وهو ما استندت إليه أكثر من 60 منظمة حقوقية بقيادة منظمة العفو الدولية في رسالتها المشتركة التي طالبت بحظر التجارة مع المستوطنات وتعليق نقل الأسلحة، مؤكدة أن هذا التحرك هو واجب قانوني مفروض وليس خياراً سياسياً خاضعاً للمزاجية الدبلوماسية.
مسارات الإجراءات العملية والتعليق الجزئي
وحول كيفية ترجمة هذه الإدانات إلى أفعال على أرض الواقع، استعرض شاهين ثلاثة مسارات بدأت تتشكل ملامحها في أروقة بروكسل، المسار الأول يتمثل في التعليق الجزئي للاتفاقية الذي اقترحته المفوضية الأوروبية في سبتمبر 2025، والذي يستهدف سحب الامتيازات التجارية الأساسية مما يفقد الصادرات الإسرائيلية وصولها التفضيلي للسوق الأوروبي.
أما المسار الثاني فهو ما بدأ تنفيذه بالفعل في يوليو 2025 عبر تعليق مشاركة إسرائيل في برامج البحث العلمي المرموقة مثل "هورايزن يوروب"، بينما يركز المسار الثالث على فرض عقوبات مباشرة على الشخصيات المتطرفة والمستوطنين العنيفين، ومع ذلك، يشير شاهين إلى أن العقبة الكبرى تظل في "آلية الإجماع" داخل مجلس الاتحاد الأوروبي، حيث تقف المجر بمعارضتها الشرسة، مدعومة بمواقف ألمانية وتشيكية، حائلاً دون تفعيل التعليق الكامل للاتفاقية حتى الآن.
التبعات الاقتصادية والاستراتيجية لفك الارتباط
انتقل شاهين في حديثه لـ "180 تحقيقات" لتحليل الأثر الاقتصادي، موضحاً أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لإسرائيل بحجم تبادل وصل إلى 42.6 مليار يورو في عام 2024.
وأكد أن التعليق الجزئي للاتفاقية سيؤدي إلى فرض رسوم جمركية إضافية تقدر بنحو 220 مليون يورو سنوياً، مما يضرب قطاعات حيوية مثل التصدير الزراعي والمكسرات، ولكن شاهين يرى أن الأثر المادي، رغم أهميته، يبقى ثانوياً أمام الأثر "الرمزي والاستراتيجي"، فتعليق الاتفاقية يعني خرق الستارة الدبلوماسية التي حمت إسرائيل لعقود، وتحول أوروبا من الإدانة اللفظية إلى استخدام الثقل الاقتصادي كأداة ضغط، وهو ما سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة ويدفع المستثمرين الأجانب لإعادة تقييم مخاطر الاستثمار في اقتصاد مرتبط بجرائم حرب وانتهاكات موثقة.
واقعية القرار في ظل الانقسام الأوروبي
وفيما يخص مدى واقعية اتخاذ قرار نهائي بالتعليق، أقر شاهين بوجود تعقيدات كبيرة ناتجة عن التباينات الجيوسياسية بين الدول الأعضاء، فبينما تقود دول مثل إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا تياراً قوياً يدفع باتجاه العقوبات وتعليق استيراد منتجات المستوطنات، تظل ألمانيا حجر عثرة رئيسي بسبب ما تسميه "المسؤولية التاريخية".
ومع ذلك، لفت شاهين الانتباه إلى وجود مخرج قانوني يتمثل في "الأغلبية المؤهلة" التي لا تتطلب إجماعاً كاملاً في القضايا التجارية، حيث أيدت 26 دولة من أصل 27 التعليق الجزئي، مما يعني أن هناك نافذة قانونية لتجاوز الفيتو المجري إذا توفرت الإرادة السياسية الكافية لاستخدام هذه الآلية الإجرائية.
الضغط الشعبي ونقطة التحول الكبرى
اختتم المحلل محمد شاهين تصريحاته بالإشارة إلى أن الضغط المتصاعد من الشارع الأوروبي، والذي تمثل في عريضة المليون توقيع وقرارات البرلمان الأوروبي، يخلق بيئة سياسية تجعل من الصعب على القادة الأوروبيين الاستمرار في سياسة "العمل المعتاد" مع إسرائيل.
واعتبر أن السؤال الجوهري اليوم لم يعد "هل سيعلق الاتحاد الأوروبي الاتفاقية؟" بل "متى ستفوق تكلفة الصمت والتقاعس تكلفة التحرك الفعلي؟"، فالمؤشرات الموضوعية تؤكد أن أوروبا تتجه، وإن كان ببطء، نحو نقطة تحول تاريخية في علاقتها مع الاحتلال، مدفوعة بضرورات الحفاظ على نظام القانون الدولي الذي بنيت عليه القارة الأوروبية نفسها بعد الحرب العالمية الثانية.










