قال الباحث في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان إن الوجود الأمريكي في سوريا لم يعد يُقاس بمعايير عسكرية تقليدية كعدد القواعد أو الجنود، بل بات سؤالاً استراتيجياً مرتبطاً بجدوى البقاء ذاته، في ظل التحولات المتسارعة في الإقليم. وأوضح أن الانسحاب الأمريكي الأخير لا يعكس تراجعاً بقدر ما يعكس لحظة اكتمال مهمة وإعادة تعريف للدور ضمن هندسة إقليمية أوسع يجري تشكيلها.
وأضاف في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن واشنطن، التي تعيد ترتيب أولوياتها على وقع الصراع مع إيران وتحولات سوق الطاقة العالمية، خلصت إلى أن وجودها العسكري المباشر في سوريا لم يعد أداة فعالة لتحقيق أهدافها. وأشار إلى أن هذا الوجود بدأ يتحول إلى عبء مزدوج، يستنزف أمنياً ويعقّد سياسياً مسارات الاستقرار التي باتت أكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة.
ولفت إلى أن التحول الأمريكي يعكس انتقالاً من الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة إلى أنماط أكثر مرونة، تقوم على إعادة توزيع الأدوار وتقليل الكلفة، مع الحفاظ على النفوذ عبر أدوات غير تقليدية.
من الحرب إلى الإدارة
وبيّن أتاجان أن التدخل الأمريكي في سوريا عام 2014 جاء تحت مظلة الحرب على تنظيم "داعش"، في وقت كانت فيه البلاد تعيش حالة تفكك حاد وغياب مركز سيادي قادر على ضبط التوازنات. وأوضح أن الوجود الأمريكي آنذاك لم يكن خياراً سياسياً بقدر ما كان ضرورة عملياتية لفرض حد أدنى من الاستقرار.
وأشار إلى أن المشهد تغيّر جذرياً اليوم، حيث لم يعد التنظيم يمثل تهديداً وجودياً، كما لم تعد الجغرافيا السورية موزعة كما كانت خلال سنوات الحرب. وأضاف أن دخول دمشق في إطار التحالف الدولي غيّر معادلة التعاطي، ما أتاح الانتقال من الوجود العسكري المباشر إلى نمط تنسيق مع الدولة المركزية.
وأكد أن هذا التحول يعكس انتقالاً من إدارة الصراع إلى إدارة ما بعده، حيث تتراجع الحاجة إلى التدخل العسكري المباشر لصالح أدوات سياسية وأمنية أكثر استدامة.
خروج سوريا إيرانياً
وأوضح الباحث أن التحول الأعمق في المشهد السوري ليس عسكرياً بل سياسياً، ويتمثل في خروج سوريا من عباءة النفوذ الإيراني، أو على الأقل انتقالها إلى موقع أكثر توازناً في العلاقة معه. واعتبر أن هذا التحول أعاد تعريف موقع سوريا في الاستراتيجية الأمريكية بشكل جذري.
وأضاف أن واشنطن كانت تعتمد سابقاً على الانتشار العسكري لاحتواء النفوذ الإيراني، لكنها باتت اليوم تراهن على تمكين الدولة السورية كفاعل قادر على تقليص هذا النفوذ من الداخل. وأكد أن هذا التحول يمثل انقلاباً في الوظيفة الجيوسياسية لسوريا.
وأشار إلى أن انتقال سوريا من ساحة نفوذ إلى خط تماس يعكس إعادة تموضع إقليمي أوسع، يربط بين ملفات الأمن والطاقة والتوازنات الدولية.
تفكيك اقتصاد الظل
ولفت أتاجان إلى أن سوريا خلال سنوات الحرب تحولت إلى مركز لاقتصاد ظل عابر للحدود، يرتبط بإنتاج الكبتاغون وشبكات التهريب وسلاسل الإمداد المرتبطة بإيران. وأكد أن تفكيك هذا النموذج لا يقل أهمية عن أي إنجاز عسكري على الأرض.
وأوضح أن تحوّل سوريا من ممر لهذه الشبكات إلى حاجز أمامها يغيّر من طبيعة الدور المطلوب أمريكياً، حيث تصبح أدوات دعم الدولة أكثر فعالية من التدخل العسكري المباشر. وأضاف أن هذا التحول يعكس انتقالاً من إدارة الفوضى إلى بناء السيطرة.
وشدد على أن إعادة ضبط هذا المسار الاقتصادي تمثل أحد أعمدة الاستقرار، وتفتح المجال أمام إعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي.
اتفاق قسد دمشق
وأشار الباحث إلى أن واشنطن لعبت لسنوات دور مدير التوازنات في شمال شرق سوريا، مستفيدة من موقع "قسد" كورقة متعددة الاستخدامات. لكنه أوضح أن هذا الدور تراجع مع اندماج "قسد" في بنية الدولة السورية.
وأضاف أن هذا الاندماج أسقط أحد أبرز مبررات الوجود العسكري الأمريكي، حيث لم تعد هناك حاجة لإدارة توازنات معقدة عبر وسيط خارجي. وأكد أن المعادلة الجديدة تقوم على تداخل مصالح بين دمشق وأنقرة وواشنطن بشكل غير مسبوق.
وبيّن أن هذا التحول يعكس انتقالاً من إدارة النزاعات المحلية إلى تثبيت ترتيبات داخلية أكثر استقراراً.
سوريا ومعادلة الطاقة
وأوضح أتاجان أن التحول الأكبر المرتبط بسوريا لا يحدث داخلها فقط، بل في محيطها، خصوصاً مع تصاعد التوترات في الخليج وتراجع أمن الملاحة في مضيق هرمز. وأشار إلى أن ذلك يدفع القوى الدولية للبحث عن بدائل استراتيجية.
وأضاف أن سوريا قد تتحول إلى عقدة عبور مهمة لممرات الطاقة والتجارة، وهو دور يتطلب تحقيق الاستقرار والسيادة وغياب الوجود العسكري الأجنبي الذي قد يُستخدم كذريعة للتصعيد. واعتبر أن الانسحاب الأمريكي يمهّد لهذا الدور الجديد.
وأكد أن إعادة تعريف موقع سوريا في معادلة الطاقة يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي.
نفوذ ذكي جديد
وأشار الباحث إلى أن ما يجري لا يمثل تقليصاً للنفوذ الأمريكي بقدر ما هو إعادة صياغته، حيث تنتقل واشنطن من نموذج القواعد العسكرية إلى نموذج الشراكات المتعددة. وأوضح أن هذا النموذج يقوم على التدريب داخل مؤسسات الدولة، والتنسيق الأمني والاستخباراتي، والدعم الاقتصادي والاستثماري.
وأضاف أن الحضور الأمريكي سيتحول إلى طابع لوجستي محدود دون سيطرة مباشرة، بما يعكس انتقالاً من "الاحتلال الخفيف" إلى "الشراكة العميقة". واعتبر أن هذا التحول يمنح واشنطن مرونة أكبر في إدارة نفوذها الإقليمي.
ولفت إلى أن هذا النمط الجديد من النفوذ يعكس إدراكاً لتغير طبيعة الصراعات في المنطقة، حيث لم تعد القوة الصلبة وحدها كافية لتحقيق الأهداف.
إعادة تشكيل الإقليم
وختم أتاجان تحليله بالتأكيد على أن الانسحاب الأمريكي من سوريا يمكن قراءته ضمن ثلاثية متكاملة تشمل إنجاز المهمة المتمثل في تراجع "داعش" وتفكيك جزء من النفوذ الإيراني، وتغير البيئة مع صعود دولة قادرة على فرض السيطرة، إضافة إلى تحول الأولويات نحو ملفات الطاقة وإعادة تشكيل الإقليم.
وأضاف أن دمشق ربحت في هذا السياق ورقة سيادية مهمة بخروج قوة عسكرية كبرى دون قطيعة سياسية، وهو ما يفتح المجال أمام فرص الاستثمار وإعادة الاندماج الاقتصادي. وأكد أن ما يجري يمثل إعادة تعريف شاملة لوظيفة سوريا في النظام الإقليمي.
وأشار إلى أن التحولات الحالية لا تعكس مجرد انسحاب عسكري، بل لحظة إعادة تشكيل عميقة تضع سوريا في موقع جديد كأحد مفاتيح التوازن في مرحلة ما بعد الصراع.










