أعلن وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها أن كييف طلبت رسميًا من تركيا النظر في إمكانية تنظيم لقاء قمة على مستوى الرئيسين فولوديمير زيلينسكي وفلاديمير بوتين، مع مشاركة محتملة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. جاء هذا الطلب خلال مشاركة سيبيها في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في 19 أبريل 2026، حيث أكد أن أوكرانيا مستعدة تمامًا لهذا اللقاء، وأن العقبة الوحيدة تكمن في “اختباء” بوتين حاليًا.
بحسب التصريحات، تمتلك أوكرانيا مقترحات ملموسة لتسوية سلمية، وتأمل في أن تلعب أنقرة دورًا فعالاً في تسريع عملية السلام، مستفيدة من خبرتها الدبلوماسية ومصالحها في إنهاء العدوان الروسي.
يأتي هذا الطلب في سياق جهود مستمرة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس، وسط ضغوط أمريكية متزايدة من إدارة ترامب لدفع الطرفين نحو مفاوضات مباشرة. سبق أن شهدت تركيا محاولات مشابهة في مايو 2025، عندما تحدى زيلينسكي بوتين للقاء شخصي في إسطنبول، لكن اللقاء لم يتم بسبب رفض موسكو إرسال وفد رفيع المستوى. الآن، تعيد أوكرانيا طرح الفكرة مع التركيز على مشاركة ترامب وأردوغان، في محاولة لإضفاء طابع دولي أوسع على أي قمة محتملة، وتجنب الاتهامات بأن كييف ترفض الحوار.
تركيا كوسيط محايد.. لماذا أنقرة تحديدًا؟
تُعد تركيا الخيار المفضل لأوكرانيا لأسباب عدة، أبرزها قدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع كلا الطرفين، حيث تحتفظ أنقرة بعلاقات اقتصادية وأمنية مع موسكو، في الوقت الذي تقدم فيه دعمًا عسكريًا ودبلوماسيًا لكييف منذ بداية الغزو في فبراير 2022. وفقًا لتصريحات سيبيها، فإن الدبلوماسية التركية “فعالة جدًا”، ويجب استغلال إمكانياتها، خاصة أن تركيا لديها مصلحة استراتيجية في إنهاء النزاع الذي يؤثر على أمن البحر الأسود والتجارة العالمية. أردوغان سبق أن عرض استضافة مفاوضات في إسطنبول مرات عدة، ونجحت تركيا سابقًا في التوسط لاتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود قبل انهياره.
يأمل زيلينسكي من خلال هذا الطلب في وضع بوتين أمام اختبار علني: إما الموافقة على اللقاء المباشر أو الظهور كطرف يتهرب من السلام. هذا النهج يعكس استراتيجية أوكرانية تركز على كسب التأييد الدولي، خاصة مع اقتراب انتهاء بعض الدعم العسكري الغربي، ومحاولة استغلال رغبة ترامب في “إنهاء الحروب” بسرعة لصالح أوكرانيا. غير أن الواقع يشير إلى أن موسكو غالبًا ما تفضل المفاوضات غير المباشرة أو عبر وفود منخفضة المستوى، مما يجعل إمكانية حضور بوتين شخصيًا ضئيلة في الوقت الحالي.
الضغط الأمريكي والمقترحات الأوكرانية
يأتي الطلب الأوكراني وسط ضغوط واضحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يدفع بقوة نحو مفاوضات مباشرة بين زيلينسكي وبوتين لإنهاء النزاع، معتبرًا أن استمرار الحرب لا يخدم المصالح الأمريكية.
بحسب التصريحات، فإن أوكرانيا لديها “مقترحات فعالة” لتسوية سلمية تشمل ضمانات أمنية وترتيبات إقليمية، لكنها ترفض أي تنازلات تُفرض تحت التهديد العسكري. المشاركة المحتملة لترامب في القمة قد تعطي زخمًا كبيرًا لأي اتفاق، لكنها في الوقت ذاته تضع كييف تحت ضغط أكبر لتقديم تنازلات، خاصة في قضايا مثل السيادة على الأراضي المحتلة والحياد العسكري.
في المقابل، تتهم أوكرانيا روسيا بالتهرب من اللقاءات المباشرة، معتبرة أن بوتين “يختبئ” لتجنب مواجهة الواقع. هذا الاتهام يهدف إلى نقل الكرة إلى الملعب الروسي، وتعزيز صورة زيلينسكي كقائد مستعد للسلام أمام المجتمع الدولي. غير أن مراقبين يرون أن مثل هذه الخطوات قد تكون محاولة لكسب الوقت، خاصة مع استمرار القتال على الجبهات وصعوبة تحقيق اختراق عسكري حاسم لأي طرف.
مستقبل المفاوضات بين الرغبة في السلام والواقع الميداني
يعكس طلب زيلينسكي من تركيا ترتيب القمة رغبة أوكرانية في إحياء المسار الدبلوماسي بعد فترة من الركود، مستفيدة من الدور التركي كوسيط مقبول نسبيًا من الجانبين. بحسب سيبيها، فإن أوكرانيا تأمل أن تساهم أنقرة في تسريع العملية، مع التركيز على أن إنهاء الحرب يخدم مصالح الجميع، بما في ذلك تركيا التي تعاني من تداعيات النزاع على اقتصادها وأمنها. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في موقف موسكو، التي تطالب بضمانات أمنية واعتراف بـ”الواقع الجديد” على الأرض قبل أي تنازلات كبيرة.
في النهاية، قد تكون هذه الخطوة محاولة أوكرانية لاستعادة المبادرة الدبلوماسية تحت مظلة تركية-أمريكية، لكن نجاحها يبقى مرهونًا بمدى استعداد بوتين للجلوس إلى الطاولة شخصيًا. الوضع على الأرض لا يزال متوترًا، والحرب مستمرة، مما يجعل أي قمة محتملة خطوة حساسة قد تحمل فرصة للسلام أو تكشف عن عمق الانقسامات بين الطرفين.









