21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هدنة هشة وحدود ملتهبة: لماذا تفشل التسويات في كبح تهديد لبنان؟

لا يرتبط القلق الشعبي فقط بذكريات الحرب الأخيرة أو بحالة الاستنزاف الطويلة التي عاشتها المنطقة، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك أعمق بأن الأزمة في لبنان ليست ظرفية، بل هي بنيوية ومتجذرة.

بقلم: أخبار ومتابعات
٢١ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
13 مشاهدة
جيش لبنان

جيش لبنان

لم ينجح وقف إطلاق النار المؤقت الذي أُعلن مؤخرًا بين (الخميس والجمعة) في تهدئة سكان شمال إسرائيل، وهو أمر يبدو مفهومًا عند قراءة المشهد بشكل أوسع. فبحسب ما يطرحه كوهين، لا يرتبط القلق الشعبي فقط بذكريات الحرب الأخيرة أو بحالة الاستنزاف الطويلة التي عاشتها المنطقة، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك أعمق بأن الأزمة في لبنان ليست ظرفية، بل هي بنيوية ومتجذرة.

وقال إيال تسير كوهين – عن  القناة 12 الإسرائيلية، هذا الإدراك، حتى وإن لم يُصَغ دائمًا بلغة استراتيجية واضحة، يعكس فهمًا شعبيًا لطبيعة الصراع. فالمشكلة، كما يراها الكاتب، لا يمكن احتواؤها عبر اتفاقات مؤقتة أو ترتيبات تكتيكية، لأنها مرتبطة ببنية معقدة من العوامل السياسية والاجتماعية والجغرافية، ما يجعل أي تهدئة مجرد استراحة مؤقتة في مسار صراع طويل.

حدود الحلول العسكرية

يعيد الكاتب التأكيد على أن المقاربة العسكرية البحتة لا تكفي لفهم الواقع اللبناني. فقياس النجاح بعدد الأهداف التي تم تدميرها، أو المسافات التي ابتعدت فيها القوات، لا يعكس حقيقة التهديد القائم. المشكلة، من وجهة نظره، تتجاوز هذه الحسابات لتشمل أبعادًا ديموغرافية وسياسية ومدنية.

هذا الطرح يكشف في جوهره محدودية الرؤية الإسرائيلية التي اعتادت اختزال الصراع في مؤشرات عسكرية، متجاهلة السياقات الأوسع. فلبنان، كما يقدمه النص، ليس مجرد ساحة مواجهة، بل بيئة مركبة تتداخل فيها العوامل المجتمعية مع البنية العسكرية، وهو ما يجعل تفكيك التهديد مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد عمليات عسكرية.

تحولات الجنوب

يتوقف التحليل عند التحولات التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية، حيث يشير الكاتب إلى عملية تغيير ديموغرافي تدريجية عززت حضور الطائفة الشيعية في المناطق الحدودية. ويربط ذلك بالسياقات الإقليمية، خاصة خلال فترة ما يُعرف بـالربيع العربي، والحرب ضد تنظيم داعش، ضمن استراتيجية أوسع قادها قاسم سليماني.

هذا التحول، وفقًا للكاتب، أدى إلى خلق بيئة حاضنة لـحزب الله، بحيث لم يعد مجرد تنظيم يعمل داخل منطقة، بل أصبح جزءًا من نسيجها الاجتماعي. وهنا تبرز إشكالية أعمق: فالقوة العسكرية للتنظيم لا تنفصل عن البيئة التي توفر له الدعم والإخفاء والاستمرارية.

التهديد الكامن

يرى كوهين أن الخطر لا يكمن فقط في القدرات العسكرية الظاهرة، بل في إمكانية إعادة إنتاج التهديد داخل الحياة المدنية اليومية. فعودة السكان إلى قراهم، وهو أمر لا يمكن منعه قانونيًا أو عمليًا، تعني عودة الظروف التي تسمح بإعادة بناء البنية التحتية العسكرية بشكل تدريجي.

ويطرح تساؤلًا عمليًا: من يمكنه مراقبة كل منزل، وكل مستودع، وكل طريق؟ هذا السؤال يكشف عن استحالة السيطرة الكاملة، حتى مع وجود نوايا إيجابية لدى الجيش اللبناني. فالمشكلة، كما يؤكد، ليست آنية بل زمنية؛ إذ إن التهديد قد يتراجع مؤقتًا، لكنه يعود تدريجيًا بأشكال مختلفة.

استراتيجية الانتظار

يقدم النص قراءة لنهج حزب الله تقوم على استثمار فترات التهدئة. فهذه الفترات لا تُستخدم فقط لإعادة بناء القدرات العسكرية، بل أيضًا لإعادة الحياة إلى المناطق الشمالية في إسرائيل، بما يسمح بعودة الشعور بالأمان والاستقرار.

ومن هذا المنطلق، تصبح التهدئة جزءًا من استراتيجية أوسع: انتظار عودة الحياة الطبيعية، ثم إعادة تقويضها في توقيت لاحق، بما يضاعف الأثر النفسي والمادي. هذه الرؤية تعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن الصراع لا يُدار فقط بالنار، بل أيضًا بالزمن.

ما بعد الحدود

يشدد الكاتب على أن الابتعاد عن الحدود، رغم أهميته التكتيكية، لا يمثل حلًا استراتيجيًا. فالتطورات في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة تجعل من الممكن تنفيذ هجمات من مسافات بعيدة، بما في ذلك شمال نهر الليطاني.

هذا يعني أن فكرة "المنطقة العازلة" لم تعد كافية لضمان الأمن طويل الأمد، وهو درس برز بوضوح منذ أحداث أكتوبر 2023، حيث أظهرت التطورات أن التهديد يمكن أن يتشكل في العمق، بعيدًا عن خطوط التماس المباشرة.

أزمة الدولة اللبنانية

يطرح النص إشكالية ضعف الدولة اللبنانية، معتبرًا أن لبنان يعاني من اختراقات داخلية تجعله غير قادر على فرض سيطرته الكاملة. ويشكك في قدرة الحكومة أو الجيش على مواجهة حزب الله بشكل حاسم، سواء بسبب محدودية الإمكانات أو غياب الإرادة السياسية.

كما يحذر من المبالغة في دعم الجيش اللبناني، مشيرًا إلى أن تقلبات المنطقة قد تؤدي إلى تغير الولاءات، بحيث تتحول الأسلحة المقدمة اليوم إلى تهديد مستقبلي، وهو طرح يعكس رؤية إسرائيلية تقليدية تجاه بنية الدول في المنطقة.

نافذة استنزاف

رغم إقراره بتعرض حزب الله لضربات قاسية أضعفت قدراته، يؤكد الكاتب أن ذلك لا يعني فقدانه القدرة على إلحاق ضرر كبير. ومن هنا، يدعو إلى استغلال المرحلة الحالية كفرصة لمواصلة استنزافه، عبر استهداف البنية التحتية ومسارات التمويل والتسليح، بالإضافة إلى علاقاته مع إيران.

هذا الطرح يكشف عن توجه نحو استراتيجية طويلة الأمد تقوم على الإضعاف التدريجي، بدلًا من البحث عن حسم سريع يبدو غير واقعي في الظروف الحالية.

إدارة الصراع

في النهاية، يخلص التحليل إلى أنه لا يوجد حل جذري أو خطوة واحدة قادرة على إنهاء التهديد في لبنان. البديل، كما يراه الكاتب، هو إدارة المخاطر عبر مزيج من الأدوات: حضور عسكري مستمر، ضغط متواصل على مصادر القوة، تحركات سياسية مدروسة، وحملات اقتصادية وقانونية تستهدف التمويل.

هذه المقاربة، رغم طابعها العملي، تعكس في جوهرها مأزقًا استراتيجيًا عميقًا: فإسرائيل، بحسب هذا التصور، لا تملك القدرة على إنهاء التهديد، بل فقط تأجيله وتقليصه. وهو اعتراف ضمني بأن الصراع في لبنان سيظل مفتوحًا، محكومًا بتوازنات إقليمية معقدة، ودور مباشر لـأمريكا في إدارة هذا المشهد، سواء عبر الدعم العسكري أو الغطاء السياسي، في سياق أوسع من التدخلات التي تشكل أحد محركات عدم الاستقرار في المنطقة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هدنة هشة وحدود ملتهبة: لماذا تفشل التسويات في كبح تهديد لبنان؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°