استعرضت إيران، يوم الخميس، قبضتها المشددة والمتزايدة على مضيق هرمز من خلال مقطع فيديو أظهر قوات الكوماندوز التابعة لها وهي تقتحم سفينة شحن ضخمة، وذلك بعد انهيار محادثات السلام التي كانت واشنطن تأمل من خلالها إعادة فتح أهم ممر للشحن في العالم.
وبث التلفزيون الرسمي الإيراني، خلال ساعات الليل، لقطات لعناصر مقنعين يصعدون على متن زورق سريع رمادي اللون إلى جانب السفينة "إم إس سي فرانشيسكا"، ثم تسلقوا سلماً حبلياً إلى فتحة في هيكل السفينة وقفزوا إلى داخلها وهم يلوحون ببنادقهم في مشهد أظهر سيطرة كاملة ومطلقة على الممر المائي الاستراتيجي. وقدمت اللقطات، التي صممت على طريقة الأفلام الأكشن مع موسيقى تصويرية مثيرة وبدون أي تعليق صوتي، مشاهد أخرى لسفينة ثانية تحمل اسم "إيبامينونداس"، حيث ادعت إيران أنها سيطرت على كلتا السفينتين يوم الأربعاء الماضي، متهمة إياهما بمحاولة عبور المضيق دون الحصول على التصاريح اللازمة.
ولم تكتف طهران بالسيطرة العسكرية على السفينتين، بل أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي، في تصريح لافت، أن أول إيرادات من الرسم الذي بدأت إيران تحصيله الآن من السفن التي تستخدم المضيق قد تم تحويلها إلى حساب البنك المركزي الإيراني. ولم يقدم حاجي بابائي أي تفاصيل إضافية حول هوية الجهة التي دفعت هذا الرسم، أو متى تمت عملية الدفع، أو حتى كم بلغت قيمته، لكن التوقيت كان مدوياً بحد ذاته، إذ جاء بعد ساعات فقط من فشل المحادثات وانتهاء الهدنة.
وفي تطور يعكس مدى التنظيم الإيراني للسيطرة على المضيق، قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلامحسين محسني إيجي إن السفن التجارية التي تعرضت للهجوم في المضيق "واجهت القانون"، في إشارة إلى أن ما حدث لم يكن عملاً عشوائياً بل تطبيقاً منظماً لقواعد جديدة تفرضها طهران.
الكوماندوز والمغاور البحرية: تفاصيل العملية الميدانية
كشفت اللقطات التي بثها التلفزيون الإيراني عن مستوى عالٍ من الاحترافية والتخطيط الدقيق في عملية الاقتحام، حيث ظهرت الزوارق السريعة الإيرانية وهي تنطلق من مواقع قريبة من جزيرة في مدخل المضيق، مما يؤكد أن إيران أقامت نقاط تمركز وتحصين متقدمة في هذه المنطقة شديدة الحساسية. وأفادت مصادر مطلعة أن الزوارق الإيرانية السريعة والطائرات المسيّرة البحرية كانت تحتتمي في مغاور وكهوف بحرية على جزيرة قريبة من فوهة المضيق، مما يجعل من الصعب على البحرية الأمريكية اكتشافها أو الاقتراب منها. وقد حافظت هذه القوات الإيرانية على مسافة آمنة من الأسطول الأمريكي المنتشر في المنطقة، مع بقائها في حالة تأهب قصوى لأي تصعيد أو مواجهة مباشرة.
وأوضح رئيس السلطة القضائية الإيراني أن القوات البحرية الإيرانية كانت تنتظر هذه السفن وتترصد تحركاتها قبل أن تنقض عليها بسرعة وبقوة، مما أدى إلى السيطرة الكاملة عليها دون وقوع إصابات أو اشتباكات مسلحة كبيرة.
وتظهر اللقطات أن عملية الصعود على متن السفينة "فرانشيسكا" تمت بسلاسة واحترافية عالية، حيث استخدم الكوماندوز سلماً حبلياً لتسلق هيكل السفينة الذي يبلغ ارتفاعه عدة طوابق، ثم اقتحموا الفتحة الجانبية وهم يحملون أسلحتهم في وضع قتالي كامل. ويرى مراقبون عسكريون أن هذا المستوى من التنسيق والتنفيذ يعكس تدريبات مكثفة وطويلة أجرتها القوات الإيرانية تحسباً لمثل هذه السيناريوهات، مما يعني أن إيران كانت تخطط لهذا السيناريو منذ أسابيع أو حتى أشهر.
باكستان على تواصل مع الأطراف
جاء عرض القوة الإيرانية هذا بعد أن تركت طهران في سيطرة ظاهرية كاملة على الممر المائي منذ أن تم إلغاء محادثات السلام الأخيرة يوم الثلاثاء الماضي، أي قبل ساعات فقط من انتهاء وقف إطلاق النار الذي استمر لمدة أسبوعين. وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد أطلقتا الحرب على إيران في شهر فبراير الماضي، ومنذ ذلك الحين وإيران تمنع بشكل فعال عبور أي سفن عبر المضيق باستثناء سفنها الخاصة، مما أدى إلى شلل حركة النفط العالمية وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية.
وأكدت طهران أنها لن تفكر في فتح المضيق، الذي يمر عبره عادةً خمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، حتى تقوم أمريكا برفع الحصار الذي فرضته على الشحن الإيراني خلال فترة الهدنة، وهو الحصار الذي تعتبره طهران انتهاكاً صريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
وفي تطور يعكس حالة الجمود والترقب، أعلن مصدر في الحكومة الباكستانية أن باكستان، التي استضافت المحادثات الوحيدة خلال الحرب في وقت سابق من هذا الشهر وكانت تستعد لاستضافة جولة ثانية قبل إلغائها يوم الثلاثاء، لا تزال على تواصل مع كلا الجانبين. وأوضح المصدر الباكستاني أن المسؤولين الإيرانيين ما زالوا يرفضون الالتزام بإرسال وفد إلى المفاوضات، مستشهدين بالحصار الأمريكي وأسباب أخرى تتعلق بانتهاكات واشنطن لاتفاق الهدنة.
وأضاف المصدر أنه خلال الساعات الماضية، التقى دبلوماسيون من مختلف الدول مسؤولين باكستانيين متعددين وسألوا عن التواريخ المتوقعة للجولة القادمة من المحادثات، لكن المسؤولين الباكستانيين لم يتمكنوا من إعطائهم أي إطار زمني واضح أو محدد، مما يعكس تعقيد الموقف وضبابية الأفق.
إيران ترفض التهديدات
على الصعيد السياسي، تصلبت مواقف الطرفين بشكل متزايد خلال الأيام الماضية، حيث قال رئيس فريق التفاوض الإيراني ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء: "أنتم لم تحققوا أهدافكم من خلال العدوان العسكري ولن تحققوها بالتنمر أيضاً. الطريق الوحيد هو الاعتراف بحقوق الشعب الإيراني". ويقرأ المراقبون في هذه التصريحات رسالة واضحة ومباشرة إلى الإدارة الأمريكية مفادها أن إيران لن تتنازل عن أي من مطالبها الأساسية، وأن سياسة الضغط الأقصى التي تنتهجها واشنطن قد فشلت في تحقيق أهدافها سواء عسكرياً أو دبلوماسياً.
ومن جانبه، ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الساعات الأخيرة من الهدنة يوم الثلاثاء، تهديداته باستئناف الهجمات على إيران، لكنه رفض رفع الحصار البحري عن الشحن الإيراني. ولم يتم الإعلان عن أي تمديد رسمي لوقف إطلاق النار، ولم يتم الإعلان عن أي خطط لإجراء مزيد من المحادثات، مما يترك المنطقة في حالة من عدم اليقين والترقب الخطير. وفي الأثناء، أعلنت مصادر شحن وأمنية، يوم الأربعاء، أن الجيش الأمريكي اعترض ثلاث ناقلات على الأقل ترفع العلم الإيراني في المياه الآسيوية، وأعاد توجيهها بعيداً عن مواقعها القريبة من الهند وماليزيا وسريلانكا، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحصار ومنع وصول الإمدادات إلى إيران.
لبنان والموقف الإيراني المشروط
بشكل منفصل، كانت الولايات المتحدة تستعد لاستضافة جولة ثانية من المحادثات بين الكيان الصهيوني ولبنان يوم الخميس، حيث يسعى لبنان إلى تمديد وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي في حرب كانت تجري بالتوازي مع الحرب على إيران. لكن الغارات الإسرائيلية قتلت خمسة أشخاص بينهم صحفي في لبنان يوم الأربعاء، مما شكل اليوم الأكثر دموية هناك منذ أن بدأ سريان الهدنة التي ترعاها أمريكا الأسبوع الماضي. ويأتي هذا التصعيد اللبناني ليزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، حيث تؤكد إيران أن الحفاظ على وقف إطلاق النار في لبنان هو شرط مسبق لأي محادثات حول الحرب الأوسع في المنطقة.
ويشير المحللون إلى أن إيران تستخدم ورقة لبنان كضغط إضافي على الإدارة الأمريكية، فطالما استمرت الخروقات الإسرائيلية للهدنة اللبنانية، فإن طهران ستتمسك بموقفها الرافض للتفاوض حول هرمز والمضايق. وهذا يضع واشنطن في موقف صعب، إذ لا تستطيع السيطرة الكاملة على سلوك حليفها الإسرائيلي، وفي نفس الوقت هي بحاجة ماسة إلى إعادة فتح مضيق هرمز لإنقاذ الاقتصاد العالمي من موجة تضخمية جديدة. ويبدو أن إيران أتقنت لعبة الربط بين الجبهات المختلفة، مما يمنحها أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مستقبلية، حتى لو كانت هذه المفاوضات متعثرة حالياً.
الأسواق تتخبط والأسعار تعاود الارتفاع
ترك الجمود في مضيق هرمز الأسواق المالية في حالة من التخبط والتذبذب الحاد بسبب الإشارات المتناقضة القادمة من المنطقة، حيث أدى عدم وجود مسار واضح لحل أسوأ اضطراب في تاريخ الطاقة إلى عودة أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً. لكن في المقابل، أدى توقف القتال مؤقتاً إلى قفزة في أسعار الأسهم في وول ستريت إلى مستويات قياسية تاريخية، مما يعكس انقساماً حاداً في أسواق المال بين قطاع الطاقة المتأثر بشدة بالأزمة وبقية القطاعات التي تراهن على قرب انتهاء الحرب.
وفي يوم الخميس، سجلت الأسهم انخفاضاً في أسواق اليابان وهونغ كونغ وبريطانيا وألمانيا، بينما سجلت ارتفاعاً في كوريا الجنوبية واستقرت في فرنسا دون تغيير يذكر. وتوقعت أسواق العقود الآجلة تراجعاً في وول ستريت بعد الإغلاق القياسي الذي سجلته يوم الأربعاء، بينما ارتفع خام برنت بأكثر من واحد ونصف بالمئة ليصل إلى مئة وثلاثة دولارات ونصف الدولار للبرميل. ويعتقد خبراء الاقتصاد أن استمرار هذا الجمود لمدة أسبوعين إضافيين قد يدفع الأسعار إلى ما بين مئة وعشرين ومئة وخمسين دولاراً، مما سيكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي ومعدلات التضخم.
أسلحة وصواريخ وحقوق لم تنتزع
حتى الآن، لم تحقق أمريكا الأهداف التي حددها ترامب في بداية الحرب، والتي كانت تتمثل في تجريد إيران من القدرة على مهاجمة جيرانها، وإنهاء برنامجها النووي، وتسهيل مهمة الإطاحة بحكومتها من قبل الشعب الإيراني. فإيران احتفظت بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي يمكنها ضرب جيرانها، كما احتفظت بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب تقدره الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأكثر من أربعمائة كيلوغرام، وهو ما يكفي لصنع عدة رؤوس نووية إذا ما اتخذت القرار السياسي بذلك.
أما حكام إيران، الذين قتلوا الآلاف لقمع انتفاضة شعبية في شهر يناير الماضي، فلم يواجهوا أي معارضة منظمة منذ اندلاع الحرب، بل على العكس، استغلوا الحرب لتعزيز قبضتهم على السلطة وتوجيه الغضب الشعبي نحو العدو الخارجي. وأضافوا أوراق قوة جديدة من خلال سيطرتهم الكاملة على المضيق رغم تهديدات ترامب الذي كتب على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت سابق من هذا الشهر: "افتحوا المضيق اللعين أيها المجانين الأغبياء وإلا فستعيشون في الجحيم - فقط راقبوا". لكن يبدو أن تهديدات ترامب لم تردع القيادة الإيرانية، بل زادتها إصراراً على فرض سيطرتها الكاملة على هذا الشريان الحيوي.
حرب الاستنزاف تدخل مرحلة جديدة
بينما تتبادل واشنطن وطهران الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية انهيار المحادثات واستمرار الجمود، يظل المضيق مغلقاً أمام سفن العالم وإيران تتحكم بمصير إمدادات الطاقة العالمية. لقد أثبتت طهران أنها قادرة على تحمل ضغوط الحرب والحصار، بل وتحويل تلك الضغوط إلى أوراق قوة في يدها، من خلال سيطرتها الميدانية على الممر المائي الأكثر أهمية في العالم.
ويبقى السؤال الأهم الآن: هل ستضطر أمريكا في النهاية إلى الرضوخ للمطالب الإيرانية وإعادة فتح المضيق بشروط طهران، أم أن الحرب ستدخل مرحلة جديدة أكثر دموية وتوسعاً قد تشمل عمليات برية أو بحرية واسعة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد حتى الآن هو أن إيران فازت في هذه الجولة، وأن واشنطن لم تجد حتى الآن ما ترد به.









