في خضمّ واحدة من أكثر المراحل دموية وتعقيدًا في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وبالتوازي مع تصاعد العدوان على قطاع غزة منذ اندلاع حرب حرب غزة 2023، تبرز قضية الأسيرات الفلسطينيات بوصفها مؤشرًا كاشفًا على تحولات عميقة في طبيعة السياسات الإسرائيلية تجاه المجتمع الفلسطيني.
فلم يعد ملف الاعتقال محصورًا في إطاره الأمني التقليدي، بل بات يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز الأفراد لتطال البنية الاجتماعية برمّتها، في ظل تصاعد غير مسبوق في استهداف النساء بمختلف فئاتهن.
في هذا الحوار الخاص لموقع "180 تحقيقات"، يقدّم المحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين قراءة معمّقة في أبعاد هذا التصعيد، مستعرضًا دلالاته الاستراتيجية، وانعكاساته القانونية والإنسانية، فضلًا عن الرسائل السياسية الكامنة وراء استهداف فئات محددة، وعلى رأسها النساء والصحفيات، في سياق صراع لم يعد يقتصر على الأرض، بل امتدّ إلى الوعي والرواية والوجود.
وإليكم نص الحوار:-
ما الدلالات الاستراتيجية الكامنة وراء بلوغ عدد الأسيرات الفلسطينيات تسعين أسيرة في هذا التوقيت الذي يتزامن مع ذروة العدوان على غزة؟
إن بلوغ عتبة 90 أسيرة في سجون الاحتلال ليس مجرد معطى إحصائي أو مجرد تطور كمي في عدد المعتقلات بل هو بمثابة إعلان صريح عن استراتيجية سياسية وعسكرية متكاملة الأبعاد في إدارة الصراع فمنذ بداية جريمة الإبادة الجماعية في أكتوبر من عام ألفين وثلاثة وعشرين تجاوزت حالات اعتقال النساء 700 حالة الأمر الذي يعكس توسعا جذريا في دوائر الاستهداف لتطال جسد المجتمع الفلسطيني في أضعف حلقاته وأكثرها حساسية هذه الزيادة المطردة تحمل في طياتها جملة من الدلالات الخطيرة أولها يتجسد في هندسة الضغط النفسي والجمعي حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى إحداث اختراق عميق في بنية النسيج الاجتماعي الفلسطيني عبر استهداف عموده الفقري أي المرأة فاعتقال الأمهات والزوجات والفتيات ليس إجراء أمنيا فحسب بل هو أداة متعمدة لهدم تماسك العائلة الفلسطينية من الداخل وإضعاف صمودها في وجه آلة الحرب وثانيها يكمن في ديناميكيات الردع الوقائي حيث يعمل جهاز الأمن الإسرائيلي على تفريغ الساحة الفلسطينية من أي عناصر فاعلة ومؤثرة تحسبا لتحول المرأة من مجرد شاهد على الحدث إلى فاعل ومشارك في مسارات المقاومة وثالثها يتعلق بالتوظيف التفاوضي عبر تحويل الأسرى إلى أوراق مساومة ورهائن بيد الاحتلال يتم التحكم بمصيرهم وفقا لمقتضيات أي تسوية سياسية أو صفقة تبادل قادمة والأدهى من ذلك هو غياب أي إحصاء دقيق لأعداد النساء المعتقلات من قطاع غزة مما يؤكد أن جزءا كبيرا من هذه الحالات يندرج تحت بند سياسة الاختفاء القسري الممنهجة وكل هذا يحدث في واحدة من أكثر الفترات دموية بحق النساء الفلسطينيات كما تصفها مؤسسات حقوق الإنسان.
كيف يمكن تقييم البانوراما المأساوية لأوضاع الأسيرات داخل سجن الدامون لا سيما في ظل وجود طفلتين وأسيرة حامل ومصابات بأمراض خطيرة؟
إن سجن الدامون الذي يؤوي غالبية الأسيرات الفلسطينيات بات مسرحا لجريمة إنسانية مركبة وأشبه بمختبر لتجارب القمع والتنكيل التي تستهدف تحطيم الروح المعنوية والجسدية للمرأة الفلسطينية فالصورة التي ترسمها شهادات المحامين وتقارير مؤسسات الأسرى ليست مجرد ظروف اعتقال قاسية بل هي تجسيد حي لسياسة انتقامية ممنهجة فالأسيرات يعانين من منظومة متكاملة من الإذلال تشمل التفتيش العاري القسري الذي يستهدف انتهاك كرامتهن الإنسانية والحرمان المتعمد من الاحتياجات الأساسية الخاصة بالنساء والتجويع الممنهج الذي ينخر أجسادهن والإهمال الطبي الذي يصل إلى حد الجريمة الكاملة في حق الأسيرات المصابات بأمراض خطيرة كالسرطان أما وجود طفلتين قاصرتين خلف هذه القضبان فذلك يمثل سقوطا أخلاقيا وقانونيا مدويا فهو انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية لحقوق الطفل التي تحظر احتجاز القاصرين وتلزم بتوفير الحماية القصوى لهم كما أن احتجاز أسيرة حامل في شهرها الثالث وسط هذه الظروف اللاإنسانية يشكل تهديدا مباشرا لسلامة الجنين وحياته وهو ما يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي الذي يطال كائنا لم ير النور بعد وقد وثقت تقارير دولية تعرض الأسيرات في الدامون للضرب ونزع الحجاب قسرا واستخدام الكلاب البوليسية والقنابل الصوتية ضدهن في مشهد يعكس أن الهدف النهائي لإدارة السجون ليس مجرد حرمان من الحرية بل هو سياسة كسر إرادة وإذلال ممنهج تهدف إلى تحطيم المعنويات ودفع المعتقلات إلى حافة الانهيار النفسي والجسدي.
إلى أي مدى يشكل الاعتقال الإداري بحق خمس وعشرين أسيرة خرقا فادحا للقانون الدولي وما هي تداعياته على المستويين القانوني والإنساني؟
يمثل الاعتقال الإداري الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق 25 أسيرة فلسطينية إحدى أخطر آليات القمع وأكثرها استهانة صارخة بأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان فهذه الممارسة التي تجرد المعتقلة من أي تهمة محددة وتحرمها من حقها الطبيعي في محاكمة عادلة وتترك مصيرها معلقا بقرار إداري قابل للتجديد إلى ما لا نهاية هي في جوهرها تعليق لسيادة القانون واستبدالها بحكم الطغيان والأهواء الأمنية إن هذا النوع من الاعتقال يتناقض بشكل جذري مع المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل الحق في معرفة أسباب الاعتقال والطعن في قانونيته أمام القضاء كما أنه يشكل تحايلا مفضوحا على اتفاقية جنيف الرابعة التي قصرت اللجوء إلى الاعتقال الإداري على حالات الضرورة القصوى جدا وجعلته إجراء استثنائيا شديد التقييد لا قاعدة عامة تحكم إدارة الاحتلال لبني البشر أما الانعكاسات الإنسانية لهذه الممارسة فهي كارثية بكل المقاييس فهي تغرق المعتقلة في دوامة من العذاب النفسي المستمر حيث تعيش في ظل سيف مسلط لا تعرف متى يسقط ولا كيف تدفع التهمة التي لا وجود لها مما يحول حياتها إلى جحيم من القلق واللايقين ويسلبها أي أمل في التخطيط للمستقبل أو استعادة حياتها والأدهى أن من بين هذه الحالات صحفيات وناشطات وأمهات وأكاديميات مما يشير بوضوح إلى أن هذه الآلة القانونية المشوهة تستهدف بشكل خاص الأصوات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع في محاولة مكشوفة لإسكات كل صوت حر وتجفيف منابع الفكر والوعي.
ما هي الرسائل السياسية العميقة التي يحملها الاستهداف المتصاعد للصحفيات ضمن حملات الاعتقال وكيف ينعكس ذلك على بنية وحرية العمل الإعلامي الفلسطيني؟
إن استهداف الصحفيات الفلسطينيات باعتقال العشرات منهن خلال عام 2025 ومن بينهن ثلاث صحفيات على الأقل في سجن الدامون حاليا ليس مجرد اعتداء عشوائي أو إجراء أمني روتيني بل هو عملية جراحية تستهدف عصب الرؤية الفلسطينية وقدرتها على نقل الحقيقة إلى العالم ويكشف هذا التحول النوعي في الاستهداف من الكم إلى الكيف وتركيز الاعتقالات على الأسماء الأكثر تأثيرا ومن بينهم صحفيات بارزات عن فهم عميق واستراتيجي لدور الإعلام في معركة الوعي العالمية ففي عصر تتحول فيه الصورة والخبر إلى سلاح لا يقل فتكا عن القذائف تسعى سلطات الاحتلال إلى تحقيق هدفين جوهريين الأول هو كسر العدسة الإعلامية الوطنية عبر إرهاب الصحفيات ميدانيا باعتقالهن أثناء التغطية واقتحام منازلهن ليلا وترويعهن وعائلاتهن مما يزرع الخوف في نفوس زميلاتهن ويدفعهن إلى الرقابة الذاتية القسرية والثاني يتمثل في إفراغ الميدان من الشهود لمنع توثيق جرائم الحرب والانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق المدنيين العزل في غزة والضفة الغربية إن هذا المسلك لا يهدد فقط سلامة الصحفيات وأمنهن الشخصي بل يمثل طعنة غائرة في خاصرة الحق الدولي في حرية التعبير والصحافة ويحول الصحفي من شاهد محايد على الحدث إلى أسير رأي بلا تهمة محددة مما ينسف كل المعايير الدولية التي تكفل الحماية للصحفيين أثناء النزاعات المسلحة.
كيف يمكن للمؤسسات الحقوقية الدولية أن تتدخل بشكل فاعل وحقيقي لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة وضمان الحماية للأسيرات في سجون الاحتلال؟
إن مواجهة هذه المنظومة المتكاملة من القمع والانتهاكات التي تمارس بحق الأسيرات الفلسطينيات تتطلب من المؤسسات الحقوقية الدولية نقلة نوعية في استراتيجيات عملها بعيدا عن لغة البيانات المستنكرة التي ثبت عدم جدواها نحو آليات أكثر فعالية وإيلاما لدولة الاحتلال فالخطوة الأولى تقتضي الانتقال الفوري من دائرة الرصد والتوثيق إلى مربع المساءلة القانونية الدولية المباشرة عبر رفع ملفات موثقة بالأدلة والشهادات حول جرائم محددة مثل سياسة الاعتقال الإداري التعسفي والإهمال الطبي القاتل والتفتيش العاري المهين إلى المحكمة الجنائية الدولية ومطالبة المدعي العام بفتح تحقيق جنائي رسمي في هذه الممارسات باعتبارها تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والخطوة الثانية تكمن في الضغط على المؤسسات الأممية وبخاصة مجلس حقوق الإنسان ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة لاستصدار قرارات دولية ملزمة تطالب بإرسال لجان تحقيق دولية لزيارة السجون الإسرائيلية وخاصة سجن الدامون والالتقاء بالأسيرات لفحص أوضاعهن عن كثب والخطوة الثالثة والأكثر أهمية تتمثل في تفعيل أدوات المقاطعة والعقوبات عبر تحشيد الرأي العام العالمي والضغط على حكومات الدول الكبرى لفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على إسرائيل بسبب ممارساتها العنصرية بحق الأسرى والأسيرات ولا بد لهذه المؤسسات أيضا من دعم المنظمات الحقوقية الفلسطينية ماليا وقانونيا وتوفير الحماية الدولية لها بعد أن صنفتها إسرائيل كمنظمات إرهابية في محاولة لتجفيف منابع الدفاع القانوني عن الأسرى وأخيرا يتوجب التنسيق مع البرلمانات والاتحادات البرلمانية الدولية لاستجواب حكوماتها حول علاقاتها مع إسرائيل في ظل استمرار هذه الجرائم الممنهجة فبدون هذه الآليات الرادعة ستبقى التصريحات الحقوقية مجرد حبر على ورق في مواجهة آلة قمع فولاذية لا ترتدع إلا بلغة القوة والقانون معا.
في المحصلة، تكشف قضية الأسيرات الفلسطينيات عن وجهٍ مركّب للصراع يتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى استهداف البنية الإنسانية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، حيث تتحول السجون إلى أدوات لإعادة تشكيل الواقع بالقوة، وفرض معادلات جديدة على الأرض والوعي معًا، وما بين تصاعد الاعتقالات، وتدهور الأوضاع داخل سجن الدامون، واستمرار العمل بسياسات مثل الاعتقال الإداري، تتكرّس صورة مقلقة لانتهاكات ممنهجة تتطلب تحركًا دوليًا يتجاوز حدود الإدانة اللفظية.
وفي ظل استمرار تداعيات حرب غزة 2023، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لإعادة الاعتبار للبعد الإنساني والقانوني في هذا الملف، عبر آليات مساءلة حقيقية تضع حدًا لسياسات الإفلات من العقاب. فبقاء هذا الواقع دون ردع لا يهدد فقط حقوق الأسيرات، بل يفتح الباب أمام مزيد من التدهور في منظومة العدالة الدولية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة العالم على حماية القيم التي يدّعي الدفاع عنها.







