شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي، اليوم الجمعة، سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي مكثف على مناطق متفرقة في جنوب لبنان، وذلك رغم الإعلان الرسمي عن تمديد وقف إطلاق النار بين الجانبين. وهذا الخرق الفاضح للاتفاق يأتي في وقت كان من المفترض أن تسود فيه أجواء التهدئة والالتزام بالبنود المتفق عليها، مما يثير تساؤلات جدية حول مدى جدية إسرائيل في الالتزام بأي اتفاقات مستقبلية. فالقصف لم يقتصر على المناطق الحدودية المباشرة، بل امتد إلى عمق الأراضي اللبنانية، مستهدفاً مدناً وبلدات وودياناً لم تشهد اشتباكات مباشرة خلال الأيام الماضية.
وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، نقلاً عن مصادر ميدانية موثوقة، بأن جيش الاحتلال نفّذ عمليتي نسف ممنهجتين لمنازل في مدينة بنت جبيل وبلدة حانين، وهما منطقتان تعرضتا لدمار واسع خلال الحروب السابقة. وإلى جانب عمليات النسف، شن الطيران الحربي غارات جوية استهدفت الأطراف الشرقية والغربية لبلدة مجدل زون وقضاء صور، وهو أحد أكبر الأقضية في جنوب لبنان والمكتظ بالسكان المدنيين. واستمرت الغارات لساعات متواصلة، مما اضطر العائلات إلى النزول إلى الملاجئ والسراديب تحسباً لسقوط ضحايا جدد في صفوف المدنيين العزل.
كما أغار الطيران الحربي الإسرائيلي ليلاً على مرتفعات الريحان في قضاء جزين، وهي منطقة وعرة وجبلية تبعد عن الحدود مسافة أكبر من المناطق الأخرى المستهدفة. وهذا التوسع في نطاق الاستهداف الجغرافي يشير إلى أن إسرائيل تتبع خطة مدروسة وليست مجرد ردود فعل على استفزازات ميدانية محدودة. فمرتفعات الريحان لم تشهد نشاطاً عسكرياً ملحوظاً منذ بدء الهدنة، مما يجعل استهدافها رسالة واضحة بأن لا مكان آمن في الجنوب طالما استمر الجيش الإسرائيلي في سياسة القصف العشوائي.
استهداف القرى
في قضاء مرجعيون، وهو أحد الأقضية الحدودية الحساسة، استهدفت غارة جوية إسرائيلية منزلاً سكنياً في بلدة تولين عند ساعات الفجر الأولى. وأعقب هذه الغارة مباشرة قصف مدفعي كثيف طال أرجاء البلدة بأكملها، مما ألحق أضراراً مادية كبيرة بعدد من المنازل والممتلكات العامة. ولم تكتف إسرائيل بذلك، بل شنّ الطيران الحربي غارة إضافية على بلدة خربة سلم المجاورة، وهي بلدة صغيرة لم يسبق أن تعرضت لقصف مماثل بهذه الشدة خلال الأسابيع السابقة للهدنة.
هذا القصف المزدوج، الجوي والمدفعي، المتزامن على أكثر من بلدة في آن واحد، يعكس تكتيكاً عسكرياً يهدف إلى بث أكبر قدر من الرعب وإرباك أي قدرات دفاعية متبقية في المنطقة. فالتوقيت الذي اختارته إسرائيل فجر يوم الجمعة، وهو وقت يكون فيه معظم السكان نياماً أو يستعدون لصلاة الفجر، يدل على نية مبيتة لإحداث أكبر قدر من الصدمة والفوضى. والنتيجة كانت حالة من الذعر الشديد بين الأهالي، خاصة كبار السن والنساء والأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة أمام آلة الحرب الإسرائيلية المتطورة.
من جانبه، أصدر جيش الاحتلال بياناً موجزاً، أعلن فيه أنه هاجم مبانٍ في جنوب لبنان، زاعماً بشكل مطلق ودون تقديم أدلة بأن هذه المباني تابعة لحزب الله. ولم يقدم الجيش أي تفاصيل أو صور أو إحداثيات لتلك المباني، مكتفياً بتكرار نفس الادعاءات التي استخدمها مراراً لتبرير خروقاته المستمرة للهدنة. وهذا النمط "أولاً نقصف ثم نبرر" أصبح سياسة ثابتة للجيش الإسرائيلي، الذي يعتمد على غطاء إعلامي وسياسي داخلي وخارجي يسمح له بارتكاب الانتهاكات دون محاسبة جدية.
تمديد وهمي لهدنة لبنان
ويواصل جيش الاحتلال هجماته المتواصلة، بما فيها هدم المباني والمنازل السكنية في جنوب لبنان، رغم دخول وقف إطلاق النار الممتد بين إسرائيل ولبنان حيز التنفيذ الأسبوع الماضي. فهذه الهدنة، التي كان الجميع يأمل أن تشكل نقطة تحول نحو الاستقرار، تحولت عملياً إلى غطاء لتكثيف الانتهاكات والخروقات اليومية. ففي كل يوم يمر، تسجل المصادر اللبنانية والدولية خروقات جديدة، تتراوح بين التحليق المكثف للطائرات المسيرة، وإطلاق النار على المزارعين، وصولاً إلى القصف الجوي والمدفعي كما حدث اليوم.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، أمس الخميس، عن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة ثلاثة أسابيع إضافية، وذلك بعدما كان من المقرر أن تنتهي الهدنة الحالية يوم الأحد المقبل. وجاء هذا الإعلان خلال تدوينة على منصة "تروث سوشيال" التي يفضلها ترمب، وفي مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض عقب انتهاء الجولة الثانية من الاجتماع التحضيري بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. لكن وعلى الرغم من هذا التمديد الأمريكي، واصلت قوات الاحتلال خرق الاتفاق يومياً، وكأن التمديد كان مجرد إجراء شكلي دون أي التزامات أو ضمانات حقيقية على الأرض.
وهذا التناقض الصارخ بين التصريحات السياسية الأمريكية الداعمة للتهدئة، والأفعال العسكرية الإسرائيلية على الأرض، يضع واشنطن في موقف محرج أمام حلفائها ومجتمعها الدولي. فإما أن الإدارة الأميركية لا تملك القدرة أو الإرادة على إلزام إسرائيل بوقف خروقاتها، وهذا يعني ضعف النفوذ الأمريكي. وإما أنها تتغاضى عن هذه الخروقات عمداً وتمنحها غطاء دبلوماسياً، وهذا يعني أنها شريك في الانتهاكات وليس وسيطاً محايداً. وفي كلتا الحالتين، فإن صورة الولايات المتحدة كضامن للاتفاقات تتعرض لضربة قاسية قد يصعب تداركها مستقبلاً.







