تحولت ليلة السبت الخامس والعشرين من أبريل 2026 في فندق واشنطن هيلتون إلى مشهد من أفلام الرعب، حيث أقدم مسلح على اختراق الإجراءات الأمنية المشددة وإطلاق النار داخل المبنى الذي كان يستضيف عشاء مراسلي البيت الأبيض السنوي، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار مسؤوليه.
وأسفر الهجوم عن إصابة عميل من جهاز الخدمة السرية (Secret Service) برصاصة في منطقة الصدر، لكن سترته الواقية من الرصاص أنقذت حياته، بينما تم إخلاء الرئيس ترامب والعائلة الأولى ونائب الرئيس وجميع أعضاء الحكومة إلى مناطق آمنة داخل الفندق قبل نقلهم إلى البيت الأبيض .
وجاء هذا الهجوم بعد أقل من عامين على محاولتي اغتيال استهدفتا ترامب خلال حملته الانتخابية في عام 2024، مما يثير تساؤلات جدية حول قدرة أقوى أجهزة حماية في العالم على تأمين رئيسها في قلب العاصمة.
ووصف المراقبون هذا الاختراق الأمني بأنه الأكثر خطورة منذ محاولة اغتيال الرئيس رونالد ريجان في نفس الفندق عام 1981، ليعيد إلى الأذهان أن فندق واشنطن هيلتون ليس مكاناً آمناً للرؤساء الأمريكيين رغم كل الإجراءات المشددة. وأظهرت اللقطات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الذعر والارتباك بين الحضور، الذين كانوا يتناولون طبق السلطة عندما تحولت الأجواء الاحتفالية إلى كابوس مرعب.
سبع رصاصات وعميل مصاب
بحسب روايات شهود العيان والمصادر الأمنية، بدأت الواقعة في حوالي الساعة الثامنة وخمس وثلاثين دقيقة مساءً بتوقيت واشنطن، عندما حاول المهاجم البالغ من العمر واحداً وثلاثين عاماً اجتياز نقطة التفتيش الأمني الرئيسية المؤدية إلى قاعة الاحتفالات الكبرى في الطابق السفلي من الفندق.
وكان المهاجم، الذي تبين لاحقاً أنه نزيل في الفندق، قد قام بتجميع بندقية صيد (شوتجن) داخل غرفته قبل أن يتجه نحو القاعة التي كان الرئيس ترامب وقرينته ميلانيا ونائب الرئيس جي دي فانس وعدد من الوزراء يجلسون على منصة الرئاسة .
وشرع المهاجم في إطلاق النار بشكل عشوائي، حيث أطلق سبع رصاصات على الأقل، أصابت إحداها أحد عملاء جهاز الخدمة السرية في صدره من مسافة قريبة جداً . وأفادت المصادر أن الرصاصة ارتطمت بالسترة الواقية التي كان يرتديها العميل، مما حال دون إصابته بجروح خطيرة، وتم نقله لاحقاً إلى المستشفى وغادره بعد تلقيه العلاج.
وروى الصحفي غاري أوغدنوف من بي بي سي، الذي كان جالساً على بعد حوالي أربعين قدماً من المنصة، أنه سمع أصوات انفجارات مكتومة قادمة من اتجاه الباب، وصفها بأنها تشبه إطلاق نار آلي .
وتسبب إطلاق النار في حالة من الذعر الشديد داخل القاعة، حيث هرع رجال الأمن لتغطية الرئيس واقتياده عبر مخرج خلفي إلى موقع آمن داخل الفندق . وفي مشاهد وصفت بالمروعة، هرع عملاء حماية الوزراء وأعضاء الكونجرس إلى رؤسائهم، وألقوا بهم أرضاً وشكلوا دروعاً بشرية حولهم، بينما اختبأ الصحفيون والمدعوون تحت الطاولات . واستغرقت عملية إخلاء الرئيس حوالي ثلاثين ثانية فقط، بينما استغرقت إخلاء بعض الوزراء مثل روبرت كينيدي جونيور مئة ثانية، ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث حوالي مئة وخمسين ثانية .
كيف تم اختراق أقوى حماية في العالم؟
تتصدر لائحة التساؤلات التي طرحها خبراء الأمن بعد هذه الحادثة سؤالاً واحداً كبيراً: كيف تمكن مسلح من الدخول إلى فندق يُحتضن فيه رئيس أمريكا في قلب العاصمة، حاملاً بندقية صيد ومسدساً وسكاكين متعددة، من دون أن يتم اكتشافه قبل فوات الأوان ؟
ويكشف التحليل الأولي للثغرات الأمنية أن نقطة الضعف الأساسية تكمن في أن الفندق كان مفتوحاً أمام النزلاء والجمهور العادي أثناء انعقاد الحفل، حيث كان يكفي حيازة تذكرة فقط لدخول المبنى، بينما تم تخصيص أجهزة الكشف عن المعادن (الماغنيتوميتر) فقط لدخول قاعة الاحتفالات نفسها . وقد استغل المهاجم هذا الثغرة بحجة أنه نزيل في الفندق، حيث كان قد حجز غرفة منذ أيام، مما سمح له بالبقاء في المبنى وتجميع أسلحته في غرفته استعداداً للهجوم.
ويضيف الخبراء أن المنطقة الخارجية للفندق كانت مزدحمة بمتظاهرين يحتجون على الحرب الأمريكية على إيران، مما شتت انتباه قوات الأمن وأضعف قدرتها على مراقبة الداخلين بشكل كاف.
كما أظهرت لقطات كاميرات المراقبة التي نشرها ترامب نفسه على منصة "تروث سوشيال" مهاجماً يركض بسرعة كبيرة عبر نقطة تفتيش أمنية، مما فاجأ الحراس الذين لم يتمكنوا من الرد بسرعة كافية . ويقول دون ميهاليك، عميل سابق في الخدمة السرية، إن الحادثة ستجبر الجهاز على إعادة النظر في محيطه الأمني ودفع أجهزة الكشف إلى الخارج بشكل أكبر، حتى لو تسبب ذلك في إزعاج الجمهور .
هوية المنفذ: مدرس يتحول إلى قاتل محتمل
بعد ساعات من الحادثة، كشفت وسائل إعلام أمريكية متعددة، نقلاً عن مسؤولين في إنفاذ القانون، هوية المهاجم، حيث تبين أنه كول توماس ألين (Cole Tomas Allen)، البالغ من العمر واحداً وثلاثين عاماً، وهو من سكان مدينة تورانس في ولاية كاليفورنيا.
والمفاجأة أن خلفية ألين المهنية تبدو بعيدة كل البعد عن العنف، حيث يعمل مدرساً في مركز "سي تو إديوكيشن" للتدريس الخصوصي في تورانس، وقد تم اختياره "مدرس الشهر" في ديسمبر 2024 . ويحمل ألين شهادة في الهندسة الميكانيكية من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) عام 2017، وماجستير في علوم الحاسوب من جامعة ولاية كاليفورنيا العام الماضي .
ووفقاً لمصادر التحقيق، فإن الدافع وراء الهجوم لا يزال غير معروف تماماً، لكن رئيس شرطة العاصمة واشنطن جيفري كارول قال إن التحقيقات جارية لكشف الدوافع . وتشير المعطيات الأولية إلى أن ألين كان يعمل بمفرده، حيث وصفه ترامب بأنه "ذئب منفرد" . وقد عثر المحققون في حوزته على بندقية صيد ومسدس وسكاكين متعددة . وذكرت تقارير أن ألين سافر بالقطار من لوس أنجلوس إلى شيكاغو ومن ثم إلى واشنطن، مما يثير تساؤلات حول مدى التخطيط المسبق للهجوم .
وقد كشف مصدر آخر أن المهاجم ترك مذكرة (مانيفستو) عبّر فيها عن استغرابه من ضعف الإجراءات الأمنية، حيث كتب: "توقعت كاميرات مراقبة في كل زاوية، وغرف فندق مراقبة، وعملاء مسلحين كل عشرة أقدام، وأجهزة كشف وأجهزة كشف وأجهزة كشف. ما حصلت عليه (ومن يدري، ربما كانوا يمزحون معي!) هو لا شيء" . هذه العبارات تعكس حالة من الاستهانة بالأمن الأمريكي دفعت المهاجم إلى الاعتقاد بأنه قادر على تنفيذ جريمته بسهولة.
بين التهديدات الإيرانية والهجمات الداخلية
عند سؤاله عن احتمال وجود صلة بين محاولة الاغتيال والحرب الأمريكية على إيران، قال ترامب في مؤتمر صحفي: "لا أعتقد ذلك. لكن لا يمكنك أبداً أن تعرف" . ويأتي هذا التصريح في وقت تشن فيه إدارة ترامب حرباً إعلانية وعسكرية ضد إيران، كانت محور احتجاجات أمام الفندق بالتزامن مع الحادثة .
لكن أدلة أولية تشير إلى أن الدافع قد يكون محلياً وأيديولوجياً أكثر منه مرتبطاً بجهات خارجية. فقد تحدث ترامب عن أن المهاجم "يكره المسيحيين" وكتب مذكرة تظهر عداءه للإدارة الأمريكية . وأكد المدعي العام بالإنابة تود بلانش أن "الهجوم كان يستهدف مسؤولين في الإدارة، ومن المحتمل أن يكون الرئيس مستهدفاً بشكل خاص" .
وسيواجه ألين تهم اتحادية خطيرة تشمل استخدام سلاح ناري أثناء ارتكاب جريمة عنف، والاعتداء على ضابط فيدرالي بسلاح خطير، وقد تضاف إليها تهم الإرهاب إذا ثبت أن الدافع كان سياسياً أو أيديولوجياً . ومن المقرر أن يمثل أمام محكمة فيدرالية في السابع والعشرين من أبريل .
عشاء الرعب الذي هز الإمبراطورية
في مشهد بات مألوفاً في أمريكا التي يعمها العنف السياسي، تحول عشاء المراسلين السنوي من فرصة للاحتفال بالديمقراطية وحرية الصحافة إلى ساحة معركة تذكر الجميع بأن لا أحد في مأمن من الرصاص، حتى لو كان محمياً بأقوى أجهزة الأمن في العالم.

وبينما يحتفل العالم بسلامة ترامب وعائلته، تبقى الأسئلة الأمنية الكبيرة معلقة: كيف يمكن لرجل عادي أن يحول فندقاً محمياً إلى ساحة حرب مفتوحة؟ وهل سيتعلم المسؤولون الدرس هذه المرة قبل أن يدفع رئيس آخر حياته ثمناً لهذه الثغرات؟ حتى تلك اللحظة، يظل فندق واشنطن هيلتون محفوراً في ذاكرة التاريخ كموقع لمحاولتي اغتيال رئاسيتين، وكرمز لفشل أمني متكرر يهدد أركان الدولة الأمريكية.








