21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

العودة إلى الألم: حين يتحول الجرح في غزة إلى حصارٍ ممتد

في أحد مستشفيات قطاع غزة التي تعمل فوق طاقتها، يبدأ المشهد من لحظة تبدو للوهلة الأولى طبية، لكنها في الحقيقة إنسانية وسياسية في آنٍ واحد. الجريح الذي نجا من القصف لا يصل إلى مرحلة التعافي، بل يدخل ف

بقلم: محمد أبو غالي
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
العودة إلى الألم: حين يتحول الجرح في غزة إلى حصارٍ ممتد

العودة إلى الألم: حين يتحول الجرح في غزة إلى حصارٍ ممتد

في أحد مستشفيات قطاع غزة التي تعمل فوق طاقتها، يبدأ المشهد من لحظة تبدو للوهلة الأولى طبية، لكنها في الحقيقة إنسانية وسياسية في آنٍ واحد. الجريح الذي نجا من القصف لا يصل إلى مرحلة التعافي، بل يدخل في دائرة جديدة من المعاناة. فالإصابة التي كان يُفترض أن تُعالج خلال أسابيع، تتحول إلى أزمة مفتوحة بسبب نقص الإمكانيات، وتدهور البنية الصحية التي استهدفتها الغارات الإسرائيلية بشكل متكرر منذ أكتوبر 2023.

بحسب تقارير صادرة عن منظمات صحية دولية، فإن آلاف الجرحى في غزة يحتاجون إلى تدخلات جراحية متقدمة أو علاج تأهيلي غير متوفر داخل القطاع. هذا النقص لا يعود فقط إلى ضعف الموارد، بل إلى التدمير المنهجي للمستشفيات، ومنع دخول المعدات الطبية، ما يكشف أن الأزمة الصحية ليست عرضًا جانبيًا للحرب، بل جزء من بنيتها.

مستشفيات تحت الضغط
داخل المستشفيات، يعمل الأطباء في ظروف استثنائية تتجاوز حدود القدرة البشرية. غرف العمليات لا تتوقف، والأسرّة ممتلئة، والكوادر الطبية نفسها تعاني من الإرهاق ونقص الموارد. ومع كل موجة قصف جديدة، يتدفق مزيد من الجرحى، ما يفرض على الأطباء اتخاذ قرارات قاسية بشأن الأولويات العلاجية.

ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمات إغاثة، فإن الأطباء في غزة يضطرون أحيانًا لإجراء عمليات جراحية دون تخدير كافٍ، أو باستخدام أدوات محدودة، نتيجة الحصار المفروض على دخول الإمدادات. هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة صحية، بل يطرح تساؤلات أخلاقية وإنسانية حول استهداف منظومة الرعاية الصحية، في ظل دعم أمريكي مستمر لإسرائيل، سواء سياسيًا أو عسكريًا.

رحلة علاج معطلة

بالنسبة للجرحى الذين تتطلب حالتهم السفر للعلاج خارج غزة، تبدأ معاناة من نوع آخر. فالحصول على تصريح للخروج يخضع لإجراءات معقدة وطويلة، وقد يُرفض دون مبررات واضحة. هذا التعقيد يحول الوقت إلى عنصر قاتل، حيث تتدهور الحالات الصحية تدريجيًا في انتظار فرصة قد لا تأتي.

بحسب تقارير حقوقية، فإن مئات المرضى والجرحى فقدوا حياتهم أو تعرضوا لإعاقات دائمة بسبب تأخر السفر للعلاج. وتؤكد هذه التقارير أن القيود المفروضة على الحركة تمثل أحد أوجه الحصار الذي يتجاوز كونه إجراءً أمنيًا، ليصبح أداة ضغط تؤثر مباشرة على حياة المدنيين.

رواية مكشوفة

في مقابل هذا الواقع، تواصل إسرائيل الترويج لرواية تعتبر أن عملياتها العسكرية تستهدف "مواقع عسكرية"، متجاهلة الأثر الكارثي على المدنيين والبنية التحتية الصحية. غير أن الصور القادمة من غزة، وشهادات الأطباء والجرحى، تكشف تناقضًا واضحًا بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.

ووفقًا لتقارير إعلامية دولية، فإن استهداف المستشفيات أو محيطها تكرر أكثر من مرة منذ بداية الحرب، ما يضعف مصداقية الرواية الإسرائيلية، ويعزز الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. هذا التناقض لا يمكن فصله عن الغطاء السياسي الذي توفره أمريكا، التي تواصل دعمها لإسرائيل رغم الانتقادات الدولية المتزايدة.

حياة مؤجلة


في غزة، لا تعني النجاة من القصف نهاية الخطر، بل بداية مرحلة جديدة من الألم المؤجل. الجريح الذي فقد أحد أطرافه، أو الذي يحتاج إلى علاج طويل الأمد، يجد نفسه في مواجهة واقع يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات التعافي. وبين الانتظار، والألم، والقيود المفروضة، تتحول الحياة نفسها إلى معركة يومية.

هذا المشهد يعكس حقيقة أعمق: أن الحرب لا تنتهي بانتهاء الغارة، بل تستمر في أجساد الجرحى، وفي نظام صحي منهك، وفي حصار يقيّد كل فرصة للنجاة. وفي ظل هذا الواقع، تصبح معاناة جرحى غزة شاهدًا حيًا على كلفة إنسانية تتجاوز الأرقام، وتكشف طبيعة صراع لا تزال تداعياته مفتوحة.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال