21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. أسعد العويوي يكتب: الانتخابات البلدية: حين يتراجع الحزب وتتقدم العشيرة

تبدو الانتخابات البلدية في كثير من السياقات وكأنها تتخلى تدريجياً عن وظيفتها السياسية الأساسية، لصالح إعادة إنتاج علاقات اجتماعية تقليدية لم تعد تتناسب مع شكل الدولة الحديثة ولا مع متطلبات الإدارة المحلية.

بقلم: د. أسعد العويوي
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
66 مشاهدة
د. أسعد العويوي يكتب:  الانتخابات البلدية: حين يتراجع الحزب وتتقدم العشيرة

د. أسعد العويوي يكتب: الانتخابات البلدية: حين يتراجع الحزب وتتقدم العشيرة

تبدو الانتخابات البلدية في كثير من السياقات وكأنها تتخلى تدريجياً عن وظيفتها السياسية الأساسية، لصالح إعادة إنتاج علاقات اجتماعية تقليدية لم تعد تتناسب مع شكل الدولة الحديثة ولا مع متطلبات الإدارة المحلية. فبدلاً من أن تكون هذه الانتخابات مساحة للتنافس على البرامج والرؤى التنموية، تتحول في أحسن الأحوال إلى ساحة لإدارة التوازنات العائلية، وفي أسوأها إلى سوق مفتوح للنفوذ الاجتماعي والعصبيات التقليدية.

اللافت في المشهد الراهن ليس فقط غياب الأحزاب السياسية، بل طريقة هذا الغياب ذاته. فالأحزاب، التي يفترض أن تكون الأداة التنظيمية للتعبير عن المصالح العامة وصياغة البدائل، تبدو في كثير من الحالات إما منهكة تنظيمياً، أو غائبة عن القاعدة الاجتماعية، أو فاقدة للثقة العامة. هذا التراجع لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل كمؤشر على أزمة بنيوية في مفهوم العمل الحزبي نفسه، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على التحول إلى قوة جذب حقيقية في الحياة المحلية.

في السياق الفلسطيني تحديداً، يتضاعف هذا الضعف بفعل واقع الاحتلال والانقسام الجغرافي والسياسي، حيث تؤثر القيود الميدانية على الحركة والتنظيم والحملات الانتخابية، وتحدّ من القدرة على إجراء عملية انتخابية شاملة وموحّدة. هذا الواقع لا يتدخل في نتائج الانتخابات بشكل مباشر فحسب، بل ينعكس أيضاً على بنية الفعل السياسي نفسه، فيُضعف الثقة بالمسار الانتخابي ويحدّ من قدرة الأحزاب على العمل الطبيعي، خصوصاً في مناطق مثل القدس، حيث تكون المشاركة السياسية محكومة بقيود إضافية ومعقدة.

في الفراغ الذي تتركه هذه الأحزاب، وفي ظل بيئة سياسية مقيدة ومجزأة، تتقدم العشيرة والعائلة بوصفها الإطار الأكثر جاهزية وقدرة على الحشد. غير أن هذا “التقدم” ليس إنجازاً بقدر ما هو عودة إلى منطق ما قبل الدولة المؤسسية. فالاختيار الانتخابي هنا لا يقوم على أساس البرامج أو الكفاءة، بل على اعتبارات الانتماء والقرابة والولاء، ما يحوّل العملية الانتخابية إلى نوع من إعادة توزيع النفوذ الاجتماعي، لا إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية.

والأخطر من ذلك أن هذا النمط يعيد إنتاج نفس البنية التي يُفترض أن الانتخابات جاءت لتجاوزها. فبدلاً من تعزيز مفهوم المواطنة المتساوية، يتم تكريس منطق التمييز غير المعلن بين العائلات الأقوى والأضعف، وبين الشبكات الاجتماعية الأكثر نفوذاً وتلك الأقل حضوراً. وهكذا تصبح المجالس البلدية امتداداً للتوازنات الاجتماعية التقليدية، لا مؤسسات إدارة محلية قائمة على الكفاءة والمساءلة.

كما أن اختزال التنافس الانتخابي في الإطار العائلي، في ظل غياب سياسي وضغوط ميدانية، يضعف جوهر العملية الديمقراطية، ويحولها إلى طقس اجتماعي أكثر منه فعلاً سياسياً. فحين يغيب البرنامج، تغيب المحاسبة، وحين تحضر العصبية، يتراجع مفهوم المسؤولية العامة لصالح منطق التمثيل الرمزي للعائلة أو العشيرة.

إن هذا الواقع لا يعكس فقط ضعف الأحزاب، بل يكشف أيضاً عن أزمة أعمق في الثقافة السياسية العامة، حيث لم تنجح عملية التحول الديمقراطي المحلي، تحت ضغط الاحتلال والانقسام، في ترسيخ قواعد المشاركة القائمة على الفكر والبرنامج. وبدلاً من ذلك، أعادت إنتاج أنماط تقليدية من التنظيم الاجتماعي، تبدو أكثر قدرة على التكيف مع الواقع، لكنها أقل قدرة على إنتاج تنمية حقيقية ومستدامة.

في النهاية، فإن استمرار هذا المسار، في ظل تراجع السياسة وتقييد المجال العام، يعني أن الانتخابات البلدية ستبقى تدور في حلقة مغلقة بين غياب السياسة وحضور العصبية، ما لم يتم إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، وبناء وعي انتخابي يربط بين التمثيل والكفاءة، وبين الشرعية الاجتماعية والمساءلة المؤسسية، ضمن بيئة سياسية قادرة على ضمان الحد الأدنى من الحرية والمشاركة المتكافئة.
 

الكلمات المفتاحية:#الإنتخابات#البلدية#الحرب

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. أسعد العويوي يكتب: الانتخابات البلدية: حين يتراجع الحزب وتتقدم العشيرة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°