19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فوضى الرسائل تكشف العجز: ترامب يدير أزمة غزة بلا أدوات حسم

المشهد الإقليمي الراهن يشهد حالة غير مسبوقة من تضارب المعلومات والضجيج السياسي، نتيجة تداخل التقارير الإعلامية مع التصريحات الرسمية الأمريكية، بما يعكس ارتباك إدارة ترامب في إدارة الملفات الساخنة.

بقلم: عمرو المصري
٥ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
19 مشاهدة
ترامب وغزة

ترامب وغزة

قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح إن المشهد الإقليمي الراهن يشهد حالة غير مسبوقة من تضارب المعلومات والضجيج السياسي، نتيجة تداخل التقارير الإعلامية مع التصريحات الرسمية الأمريكية، بما يعكس ارتباك إدارة ترامب في إدارة الملفات الساخنة، وعلى رأسها قطاع غزة.

وأضاف مصلح أن هذا التداخل بين تسريبات وسائل إعلام دولية وإسرائيلية، مثل رويترز والقنوات العبرية، وبين النفي الرسمي الأمريكي، لا يعكس فقط اختلافاً في الروايات، بل يشير إلى وجود صراع داخل دوائر القرار حول كيفية إدارة الأزمة، في ظل واقع ميداني يتجاوز الأدوات التقليدية للسيطرة.

تضارب مركز التنسيق

أوضح مصلح أن أبرز مظاهر هذا الارتباك يظهر في الجدل حول مركز التنسيق المدني العسكري (CMCC) في كريات غات، حيث تتضارب التقارير بين الحديث عن نية نقله أو إغلاقه، وبين تأكيدات رسمية باستمراره.

وأشار إلى أن بعض التسريبات تفيد بأن واشنطن تدرس نقل الثقل العملياتي إلى داخل قطاع غزة، بهدف جعل التنسيق أكثر ميدانية، خاصة بعد فشل الآليات الحالية في التعامل مع تعقيدات الواقع، سواء المرتبطة بالتوسع الإسرائيلي أو بحضور حركة حماس.

في المقابل، أكد أن النفي الأمريكي يعكس رغبة في الحفاظ على صورة الالتزام السياسي والعسكري، ما يشير إلى أن المركز لا يزال يمثل أداة مهمة في إدارة الأزمة، حتى وإن تراجعت فعاليته على الأرض.

انسداد المسار الميداني

وبيّن مصلح أن التقارير الميدانية تكشف عن طريق مسدود يواجه المهمة الأمريكية، نتيجة تعقيدات يفرضها طرفا الصراع، حيث تواصل إسرائيل تغيير خريطة السيطرة عبر التوسع الجغرافي، ما يجعل أي اتفاق عرضة للتآكل قبل تنفيذه.

وأضاف أن بقاء هيكل إداري وأمني لحماس في مناطق خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة يجعل من المستحيل عملياً تنفيذ آليات توزيع المساعدات دون المرور عبرها، وهو ما يعقّد مهمة أي جهة تنسيقية.

وأكد أن هذا الواقع يضع المركز الأمريكي أمام معضلة حقيقية، إذ يحاول التعامل مع بيئة متحركة وغير مستقرة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الثبات اللازم لإنجاح أي ترتيبات ميدانية.

رسائل ترامب الإقليمية

وأشار مصلح إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضيف بعداً إقليمياً للأزمة، حيث تعكس تشدداً تفاوضياً واضحاً، مع تأكيده أنه ليس في عجلة لعقد صفقة مع إيران.

وأوضح أن هذا الخطاب يرفع سقف المطالب الأمريكية، ويعكس في الوقت ذاته ربطاً استراتيجياً بين ملف غزة والملف الإيراني، بحيث يصبح أي تصعيد أو تهدئة في أحدهما مؤثراً بشكل مباشر على الآخر.

وأضاف أن هذا الربط يعكس رؤية أمريكية شاملة لإدارة الصراع في المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تزيد من تعقيد المشهد، عبر تداخل الملفات وتعدد ساحات الضغط.

بالونات اختبار إعلامية

وصف مصلح حالة التضارب الإعلامي بأنها جزء من “بالونات اختبار” تستخدمها واشنطن للضغط على الأطراف المختلفة، سواء إسرائيل أو حماس، بهدف تحسين شروط التفاوض أو دفعهما إلى تقديم تنازلات.

وأشار إلى أن تسريبات إغلاق أو نقل مركز التنسيق قد تكون رسالة ضغط غير مباشرة، بينما يأتي النفي الرسمي للحفاظ على صورة الاستقرار والالتزام الأمريكي.

وأكد أن هذه الازدواجية تعكس محاولة لإدارة الأزمة عبر أدوات إعلامية وسياسية، في ظل محدودية الخيارات الميدانية، ما يجعل المشهد أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى حل فعلي.

مأزق المرحلة الأولى

أوضح مصلح أن جوهر الأزمة يكمن في غياب الالتزام بالانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، التي كان يفترض أن تشمل انسحاباً كاملاً وتبادلاً شاملاً، بينما يجري عملياً استنزاف المرحلة الأولى.

وأشار إلى أن استمرار وجود القوات الإسرائيلية في مناطق حيوية يجعل مهمة مركز التنسيق شبه مستحيلة، إذ لا يمكن مراقبة وقف إطلاق النار في ظل احتكاك مباشر ومستمر بين الأطراف.

وأضاف أن هذا الواقع يحوّل المركز من أداة لتنفيذ الحل إلى مجرد منصة لمراقبة الفشل، ما يفسر تصاعد الحديث عن إعادة هيكلته أو استبداله بآليات أخرى.

أزمة بنيوية للمركز

وأكد مصلح أن مركز التنسيق يواجه معضلة بنيوية، إذ يحاول معالجة قضايا تقنية مثل إدخال المساعدات، بينما المشكلة الحقيقية سياسية تتعلق بطبيعة السيطرة على الأرض.

وأوضح أن إسرائيل ترى في سيطرتها الميدانية ضمانة أمنية، وترفض التراجع، في حين ترفض حماس تسليم الإدارة أو نزع سلاحها دون انسحاب شامل، ما يخلق تناقضاً يستحيل تجاوزه عبر أدوات تقنية.

وأشار إلى أن هذا الواقع يجعل المركز أقرب إلى “صندوق بريد” لتبادل الرسائل، دون امتلاك القدرة على فرض أي حلول، ما يعمّق من حالة الجمود.

سيناريو التحول الهيكلي

رجّح مصلح أن الاتجاه الأمريكي قد لا يكون نحو إغلاق المركز، بل نحو تحويله إلى صيغة جديدة أكثر تدخلاً، ربما عبر إنشاء مركز دعم دولي يعمل من داخل القطاع.

لكنه حذّر من أن نقل المركز إلى غزة لن يحل المشكلة، إذا بقي تحت مظلة أمنية إسرائيلية، وهو ما سيرفضه الفلسطينيون، ما يعني إعادة إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

وأكد أن أي تغيير شكلي في موقع أو طبيعة المركز لن يكون كافياً دون معالجة الجذور السياسية للصراع، وعلى رأسها مسألة الانسحاب والسيادة.

ضغط ترامب ومسارات التصعيد

أشار مصلح إلى أن ترامب يواجه ضغوطاً متزايدة بسبب تعثر مساراته السياسية، سواء في غزة أو في الملف الإيراني، ما قد يدفعه إلى خيارات أكثر حدة.

وأوضح أن هذه الضغوط قد تترجم إما إلى ممارسة ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية للانتقال إلى المرحلة الثانية، أو إلى انهيار المسار الدبلوماسي والعودة إلى التصعيد العسكري.

وأضاف أن هذا التردد يعكس محاولة لتحقيق توازن بين الرغبة في إنجاز سياسي، والخشية من الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

عجز أدوات الضغط

وختم مصلح بأن الأزمة تكشف عن محدودية أدوات الضغط الأمريكية، في ظل تعقيدات داخلية وخارجية تجعل واشنطن أقرب إلى دور “المراقب” منها إلى صانع القرار الحاسم.

وأشار إلى أن الحسابات السياسية والانتخابية داخل الولايات المتحدة تلقي بظلالها على طبيعة التحرك، ما يقيّد القدرة على فرض حلول جذرية.

وأكد أن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه اليوم هو ما إذا كانت واشنطن تمتلك فعلاً القدرة على إجبار إسرائيل على الالتزام بالانسحاب، أم أنها ستستمر في إدارة الأزمة دون القدرة على حلها، في مشهد يعكس عمق المأزق الإقليمي.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال