في تطور سياسي مفاجئ وغير مسبوق منذ عقود طويلة، وجه ثلاثون نائباً ديمقراطياً في مجلس النواب الأمريكي رسالة مشتركة شديدة اللهجة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، طالبوا فيها بكشف تفاصيل الترسانة النووية الإسرائيلية بشكل كامل وعلني، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
وكتب النواب، بقيادة النائب البارز خواكين كاسترو، في رسالتهم المؤرخة يوم الاثنين الخامس من مايو 2026، أن "الولايات المتحدة لا يمكنها وضع سياسة متماسكة وفعالة لمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط مع استمرار سياسة الصمت الرسمي الأمريكية تجاه القدرات النووية لأحد الأطراف المحورية في الصراع الدائر، والذي تشارك فيه الولايات المتحدة بشكل مباشر وعسكري". وتأتي هذه الرسالة في لحظة حساسة وخطيرة، بعد أسابيع قليلة من نهاية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي شهدت تهديدات نووية متبادلة وأحدثت زلزالاً في المنطقة بأكملها.
وأضافت المجموعة النيابية الديمقراطية، التي تضم شخصيات مؤثرة في لجان العلاقات الخارجية والأمن القومي، أنها تطالب وزير الخارجية "بإلزام إسرائيل بمعايير الشفافية النووية نفسها التي تتوقعها الولايات المتحدة وتطلبها من أي دولة أخرى قد تسعى إلى امتلاك قدرات نووية أو تحتفظ بها". وهذا المطلب، كما يراه مراقبون، يعتبر نقلة نوعية في الخطاب الأمريكي تجاه إسرائيل، حيث ولأول مرة يطالب مسؤولون أمريكيون منتخبون بكشف السر النووي الإسرائيلي الذي ظل مصاناً لأكثر من سبعة عقود، وهو السر الذي يعرفه الجميع في واشنطن وتل أبيب ولكن لا يتجرأ أحد على البوح به رسمياً.
ويذكر النواب في رسالتهم أن الكونغرس "يتحمل مسؤولية دستورية أخلاقية وقانونية تتمثل في الإلمام الكامل بالتوازن النووي في الشرق الأوسط، وخطر التصعيد الخطير من أي طرف في هذا النزاع، وخطط الإدارة وتدابيرها الاحترازية لمثل هذه السيناريوهات الكارثية"، وهم لا يعتقدون أنهم تلقوا هذه المعلومات الحيوية حتى الآن.
لماذا ترفض إسرائيل الاعتراف بترسانتها النووية؟
منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين المحتلة، تتبع إسرائيل سياسة رسمية تعرف باسم "سياسة الغموض النووي" (Nuclear Ambiguity)، وهي سياسة لا تؤكد بموجبها امتلاكها أسلحة نووية ولا تنفي ذلك بشكل قاطع، تاركة العالم كله في حالة من التخمين والترقب.
وتهدف هذه السياسة، كما يقول الخبراء الاستراتيجيون، إلى تحقيق عدة أهداف في وقت واحد: أولاً، خلق حالة من الردع النووي غير المعلن ضد جيرانها العرب والإيرانيين، حيث يظل الجميع يخشون من قدرات نووية قد تكون موجودة وقد لا تكون، مما يربك حسابات الخصوم.
ثانياً، تجنب العزلة الدولية والعقوبات التي قد تفرض على دولة تعترف رسمياً بامتلاكها أسلحة دمار شامل، خاصة أن إسرائيل ليست موقعاً على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT). ثالثاً، عدم إحراج الولايات المتحدة التي تقدم مساعدات عسكرية سنوية ضخمة لإسرائيل، بينما تصر واشنطن في العلن على ضرورة منع انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط.
لكن هذه السياسة، التي تحملت واشنطن عبئها لعقود طويلة تحت ضغط اللوبي الإسرائيلي، أصبحت اليوم محل انتقادات متزايدة حتى داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية نفسها. فمع اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة وإطلاق إيران العنان لبرنامجها النووي والتلويح بامتلاك قنبلة نووية خلال أشهر، لم يعد "الغموض" الإسرائيلي يشكل عامل ردع، بل أصبح مصدر قلق وعدم يقين للجميع.
فالجميع في المنطقة يعرف (أو يعتقد بقوة) أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تقدر بنحو 200 إلى 400 رأس حربي نووي، لكن عدم وجود اعتراف رسمي بذلك يجعل من المستحيل تقريباً إخضاع هذه الترسانة لأي شكل من أشكال الرقابة أو المعاهدات الدولية أو الحوار الإقليمي حول نزع السلاح.
ديمونا تحت المجهر: ما الذي يريده النواب الديمقراطيون؟
في رسالتهم المطولة والمفصلة، لم يكتفِ النواب الديمقراطيون بالمطالب العامة، بل طالبوا وزير الخارجية بموافاتهم بتفاصيل دقيقة وشاملة حول الترسانة النووية الإسرائيلية. وتضمنت قائمة مطالبهم: عدد الرؤوس الحربية النووية الإسرائيلية وأنواعها، وقدرات القاذفات والصواريخ التي تحمل هذه الرؤوس، وقدرات تخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم التي تمتلكها إسرائيل، وما أُبلغت به الولايات المتحدة بشكل سري أو علني بشأن العقيدة النووية الإسرائيلية وخطوطها الحمراء (أي متى وأين وتحت أي ظروف قد تستخدم إسرائيل السلاح النووي).
كما طالبوا بتفاصيل حول المنتجات النووية التي يتم إنتاجها في مفاعل "ديمونا" النووي، وهو المنشأة النووية السرية الواقعة في صحراء النقب جنوب إسرائيل، والتي استهدفتها إيران خلال الحرب الأخيرة في واحدة من أكثر اللحظات توتراً في تاريخ الصراع.
ويُعتقد على نطاق واسع في الأوساط الاستخباراتية الغربية، وفق تقارير متعددة، أن مفاعل ديمونا، الذي بني بمساعدة سرية من فرنسا في الخمسينيات والستينيات، هو قلب وأسطورة البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي، حيث يتم إنتاج البلوتونيوم عالي الدرجة المستخدم في صنع الرؤوس النووية. وقد ظل هذا المفاعل عصياً على التفتيش الدولي من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفضت إسرائيل مراراً وتكراراً السماح لمفتشي الوكالة بدخوله أو الإفصاح عن طبيعة أنشطته النووية.
والآن، يريد النواب الديمقراطيون أن تعترف الإدارة الأمريكية علناً بما يجري داخل ديمونا، وأن تضع حداً لهذا السر الذي أصبح معروفاً للجميع باستثناء البيانات الرسمية. ويكتب النواب في رسالتهم بسخرية لاذعة: "نحن لا نطلب معلومات سرية. نحن نطلب ما يعرفه الجميع بالفعل، لكن السياسة الأمريكية تمنع مسؤولينا من قوله علناً."
لماذا تعترف أمريكا بأسلحة الدول الأخرى وتصمت عن إسرائيل؟
ما يزيد من قوة ودقة الرسالة النيابية هو المقارنة الصارخة التي أجراها النواب بين معاملة أمريكا لإسرائيل ومعاملتها لبقية دول العالم. ففي رسالتهم، ذكروا أن "الولايات المتحدة تُقرّ علناً وبدون تردد ببرامج الأسلحة النووية لكل من المملكة المتحدة وفرنسا والهند وباكستان وروسيا والصين وكوريا الشمالية"، وهم بذلك يطالبون بأن "تخضع إسرائيل للمعايير نفسها التي تخضع لها أي دولة أجنبية أخرى، وأن تتحدث حكومة الولايات المتحدة بصراحة ووضوح عن قدراتها المحتملة في مجال الأسلحة النووية، أياً كانت هذه القدرات".
هذه المقارنة تضع إدارة ترامب (والحكومات الأمريكية السابقة) أمام تناقض صارخ في سياستها الخارجية: فكيف يمكن لها أن تعترف ببرامج نووية لعدة دول في آسيا وأوروبا، وتتخذ إجراءات عقابية ضد دول مثل إيران بسبب برنامجها النووي، وتتغاضى تماماً عن البرنامج النووي الإسرائيلي الذي هو الأكثر تقدماً وتطوراً في المنطقة بأسرها؟
ويرى المحللون أن هذه المقارنة تهدف إلى فضح الازدواجية القياسية الأمريكية في التعامل مع قضايا الانتشار النووي، وهي ازدواجية تخدم المصالح الإسرائيلية على حساب الأمن الإقليمي والدولي. فبينما تفرض واشنطن عقوبات قاسية على إيران لمجرد امتلاكها قدرات تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، تقدم المساعدات العسكرية والغطاء الدبلوماسي لإسرائيل التي تمتلك إحدى أكبر الترسانات النووية في العالم.
وهذا يعطي انطباعاً خطيراً للدول الأخرى بأنه "مسموح لبعض الدول امتلاك السلاح النووي وممنوع على دول أخرى"، وهو ما يقوض جهود منع الانتشار النووي برمتها ويشجع سباق التسلح النووي في المنطقة. ويكتب النواب: "لا يمكننا محاربة الانتشار النووي في الشرق الأوسط بيد ونحن نقدم الغطاء لانتشاره باليد الأخرى. إما أن نكون جادين في منع انتشار السلاح النووي في المنطقة، أو نتوقف عن الادعاء بذلك."
التوقيت: لماذا الآن وبعد الحرب على إيران تحديداً؟
لم يأتِ توقيت هذه الرسالة النيابية من فراغ أو صدفة، بل جاء بعد أسابيع قليلة من انتهاء الحرب المدمرة التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، والتي كادت أن تشعل حرباً نووية إقليمية شاملة عندما هددت طهران بالرد على أي استهداف لمنشآتها النووية. فالحرب كشفت عن هشاشة التوازن النووي القائم في المنطقة، وأظهرت أن سياسة الغموض الإسرائيلية لم تعد صالحة لعصر جديد من التهديدات النووية المتبادلة. فإيران، التي تقترب من عتبة امتلاك السلاح النووي، تحتاج إلى معرفة طبيعة الترسانة الإسرائيلية لتقييم قدراتها الردعية بدقة، وكذلك تحتاج دول الخليج العربية إلى معرفة ما إذا كانت هناك قنبلة نووية إسرائيلية تلوح في الأفق أم لا.
كما أن الرسالة تأتي في سياق استحقاقات سياسية داخلية أمريكية، حيث يتنافس الديمقراطيون والجمهوريون على جذب أصوات الناخبين المناهضين للحروب والمهتمين بقضايا العدالة والشفافية. فالكشف عن السلاح النووي الإسرائيلي قد يكون ورقة انتخابية قوية يستخدمها الديمقراطيون لإظهار أنهم أكثر صدقاً وشفافية من الإدارة الجمهورية التي تخفي المعلومات عن الكونغرس والشعب. وبغض النظر عن الدوافع، فإن الرسالة في حد ذاتها تشكل لحظة فارقة في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، حيث ولأول مرة يطالب عدد كبير من النواب المنتخبين (30 نائباً) بكشف أكثر الأسرار حساسية في العلاقات الثنائية بين البلدين.
ويتساءل المراقبون: هل سيكون هذا بداية انهيار سياسة "الاستثناء الإسرائيلي" في واشنطن، أم أن إدارة ترامب ستتمكن من تجاهل الرسالة كما تجاهلت رسائل سابقة أقل حجماً وتأثيراً؟
بداية نهاية الغموض أم مجرد مناورة سياسية عابرة؟
بهذه الرسالة الجريئة وغير المسبوقة، يضع 30 نائباً ديمقراطياً إدارة ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو أمام اختبار حقيقي لصدقهم في التعامل مع قضايا الانتشار النووي والشفافية الدولية. فهل ستستجيب الإدارة لهذه المطالب المشروعة وتكشف للكونغرس والشعب الأمريكي عن الترسانة النووية الإسرائيلية، أم أنها ستواصل سياسة الصمت والتعتيم التي اتبعها جميع أسلافها من الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على مدى سبعة عقود؟ الصحيفة العبرية "تايمز أوف إسرائيل" نفسها تتوقع أن يتم تجاهل الرسالة تماماً من قبل إدارة ترامب، كما فعل رؤساء سابقون عندما تقدموا بمطالب مماثلة لكنها كانت أقل تأثيراً وعدداً.
لكن الجديد هذه المرة هو أن الرسالة ليست مجرد طلب عابر، بل هي جهد منظم ومتزامن من مجموعة كبيرة من النواب الذين يمكنهم استخدام أدواتهم التشريعية لعرقلة المساعدات العسكرية لإسرائيل أو فرض شروط عليها. ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الجميع الآن: هل هذه مجرد مناورة سياسية عابرة في عام انتخابي، أم أنها البداية الحقيقية لنهاية سياسة "الاستثناء الإسرائيلي" في الملف النووي؟ الأيام والأسابيع القادمة وحدها كفيلة بتقديم إجابة حاسمة، لكن المؤكد أن جدار الصمت النووي الإسرائيلي قد تشقق اليوم للمرة الأولى، ولن يكون من السهل إصلاحه مرة أخرى.







