19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل تبيع واشنطن مظلتها الأمنية أم تعيد هيكلة هيمنتها؟

على مدى عقود طويلة قامت معادلة الأمن في الشرق الأوسط على أساس بسيط: توفر الولايات المتحدة الردع العسكري والضمانات الأمنية، بينما يستفيد الحلفاء من الاستقرار الذي تنتجه هذه القوة.

بقلم: د. بكير أتاجان
٣٠ مايو ٢٠٢٦
10 دقائق قراءة
17 مشاهدة
الولايات المتحدة لا تعيد تسعير المظلة الأمنية فحسب، بل تعيد هندسة نموذج الهيمنة الذي حكم النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.

الولايات المتحدة لا تعيد تسعير المظلة الأمنية فحسب، بل تعيد هندسة نموذج الهيمنة الذي حكم النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.

لم تعد التحولات الجارية في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط مجرد تعديلات تكتيكية أو رسائل ضغط مرتبطة بإدارة سياسية بعينها، بل باتت تعكس تحولاً تاريخياً أعمق في فلسفة القوة الأمريكية ذاتها. فما نشهده اليوم يتجاوز بكثير مسألة زيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء أو إعادة توزيع بعض الأعباء الأمنية، ليصل إلى مستوى إعادة تعريف الدور الذي تريد الولايات المتحدة أن تلعبه في النظام الدولي خلال العقود المقبلة.

لقد تأسس النظام العالمي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي على فرضية مركزية مفادها أن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة القادرة على إدارة الأمن العالمي وحماية طرق التجارة الدولية وضمان الاستقرار في المناطق الاستراتيجية الحساسة. وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، مارست واشنطن هذا الدور باعتبارها الضامن النهائي للنظام الدولي والقوة المهيمنة على توازناته الرئيسية.

إلا أن البيئة الدولية التي سمحت بهذه الهيمنة المطلقة بدأت تتغير بصورة متسارعة. فصعود الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية منافسة، وعودة روسيا لاعباً عسكرياً مؤثراً، وتنامي قدرات القوى الإقليمية، والتطور الهائل في تقنيات الحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل دفعت صناع القرار الأمريكي إلى إعادة النظر في معادلات القوة التي حكمت العالم منذ تسعينيات القرن الماضي.

وفي هذا السياق تكتسب التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الدفاع الأمريكي أهمية خاصة، إذ لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد دعوة للحلفاء لزيادة مساهماتهم الدفاعية، بل باعتبارها مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في إدارة النفوذ الأمريكي عالمياً وإقليمياً.

ومن هنا لم يعد السؤال الحقيقي: هل تبيع واشنطن مظلتها الأمنية؟

بل أصبح:

كيف تعيد الولايات المتحدة تصميم هيمنتها بحيث تستمر لعقود قادمة بأقل تكلفة ممكنة وأعلى كفاءة استراتيجية؟

من إعادة تسعير الحماية إلى إعادة هيكلة الهيمنة

يقع كثير من المراقبين في خطأ اختزال التحولات الأمريكية الراهنة في بعدها المالي فقط، وكأن المسألة لا تتجاوز مطالبة الحلفاء بدفع المزيد مقابل استمرار الحماية الأمريكية.

غير أن القراءة الاستراتيجية الأعمق تكشف أن القضية تتجاوز الحسابات المالية بكثير.

فالولايات المتحدة لا تعيد تسعير المظلة الأمنية فحسب، بل تعيد هندسة نموذج الهيمنة الذي حكم النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.

لقد أظهرت التجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان أن إدارة النظام الدولي عبر الانتشار العسكري المكثف والحروب المفتوحة أصبحت أكثر كلفة وأقل فاعلية. كما أثبتت التحولات الجيوسياسية أن التفوق العسكري وحده لم يعد كافياً لضمان النفوذ طويل الأمد.

لذلك تتجه واشنطن نحو نموذج جديد يمكن وصفه بـ«الهيمنة منخفضة الكلفة»، حيث تحتفظ بموقع القيادة الاستراتيجية للنظام الدولي، لكنها تعمل في الوقت نفسه على توزيع أعباء الحفاظ على هذا النظام بين شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء.

إنها لا تتخلى عن النفوذ، بل تعيد تعريف طريقة ممارسته.

نهاية عصر الحماية المجانية

على مدى عقود طويلة قامت معادلة الأمن في الشرق الأوسط على أساس بسيط: توفر الولايات المتحدة الردع العسكري والضمانات الأمنية، بينما يستفيد الحلفاء من الاستقرار الذي تنتجه هذه القوة. لكن هذه المعادلة بدأت تتآكل تدريجياً.

فداخل الولايات المتحدة تصاعدت الأصوات السياسية والاقتصادية التي تتساءل عن جدوى استمرار دافع الضرائب الأمريكي في تحمل أعباء أمن مناطق بعيدة، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات استراتيجية متزايدة على المستويين الاقتصادي والتكنولوجي.

ومن هنا بدأت تتبلور عقيدة جديدة لا تقوم على إنهاء الحماية الأمريكية، بل على تحويلها من التزام مفتوح إلى شراكة استراتيجية مشروطة.

فالمظلة الأمنية الأمريكية لم تعد خدمة مجانية، بل أصبحت جزءاً من عقد استراتيجي جديد يقوم على تقاسم المسؤوليات والكلفة والمخاطر.

من الحليف التابع إلى الشريك المنتج للأمن

يُعد التحول من مفهوم «الحليف المعتمد» إلى مفهوم «الشريك المنتج للأمن» أحد أهم ملامح العقيدة الأمريكية الجديدة.

فواشنطن لم تعد ترغب في حلفاء ينتظرون تدخلها المباشر عند كل أزمة، بل تسعى إلى بناء شركاء يمتلكون القدرة على حماية مصالحهم والمساهمة في استقرار بيئاتهم الإقليمية.

ولهذا نشهد تركيزاً متزايداً على:

  • تطوير الصناعات العسكرية الوطنية.
  • بناء منظومات دفاع جوي وصاروخي متقدمة.
  • نقل التكنولوجيا العسكرية.
  • رفع الجاهزية العملياتية للقوات المحلية.
  • تعزيز الأمن السيبراني.
  • توسيع الشراكات الدفاعية الإقليمية.
  • دمج الذكاء الاصطناعي في المنظومات الدفاعية.

فالهدف النهائي لم يعد توسيع الاعتماد على الولايات المتحدة، بل تقليص الحاجة إلى التدخل الأمريكي المباشر دون فقدان النفوذ الأمريكي.

الأمن بوصفه صناعة اقتصادية

في العقود الماضية كانت التحالفات تُدار في المقام الأول وفق اعتبارات جيوسياسية وعسكرية.

أما اليوم فقد أصبح الاقتصاد جزءاً لا يتجزأ من معادلة الأمن.

فالولايات المتحدة تنظر بصورة متزايدة إلى الأمن باعتباره استثماراً استراتيجياً يجب أن يحقق عائداً سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً.

ولهذا يتصاعد الحديث عن:

  • تقاسم الأعباء الدفاعية.
  • صفقات التسليح الكبرى.
  • التصنيع العسكري المشترك.
  • الشراكات التكنولوجية المتقدمة.
  • حماية سلاسل الإمداد الحيوية.
  • ربط الضمانات الأمنية بالمصالح الاقتصادية.

إن واشنطن لا تحول الأمن إلى سلعة، لكنها تعمل على جعل النظام الأمني الذي تقوده أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الموارد الأمريكية وحدها.

إيران ومعادلة الردع المعقدة

تبقى إيران في قلب الحسابات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

فعلى الرغم من الفجوة الكبيرة في القوة التقليدية بين الطرفين، استطاعت طهران بناء منظومة ردع متعددة المستويات تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات النفوذ الإقليمية والجغرافيا الاستراتيجية.

لذلك لم تعد العلاقة الأمريكية الإيرانية قائمة على منطق الهيمنة المطلقة، بل على إدارة توازن ردع معقد ومتعدد الأبعاد.

فالولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإيران، لكن إيران تمتلك في المقابل أدوات تجعل أي مواجهة شاملة مكلفة لجميع الأطراف.

ومن هنا لم يعد الهدف الأمريكي تحقيق نصر عسكري شامل، بل منع الانفجار الكبير والحفاظ على توازن القوى الإقليمي ضمن حدود يمكن التحكم بها.

مضيق هرمز: حيث يلتقي الأمن بالاقتصاد

يمثل مضيق هرمز نموذجاً مثالياً لفهم الفلسفة الأمريكية الجديدة.

فهذا الممر البحري الحيوي لا يشكل مجرد شريان رئيسي لتدفقات الطاقة العالمية، بل يجسد الترابط العميق بين الأمن والاقتصاد والتجارة الدولية.

وتدرك واشنطن أن حماية الملاحة فيه ليست خدمة تقدمها للآخرين فقط، بل مصلحة أمريكية مباشرة ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي.

لكنها في الوقت نفسه ترى أن الدول المستفيدة من هذه الحماية مطالبة بتحمل جزء أكبر من تكلفتها، وهو ما يعكس بوضوح فلسفة تقاسم الأعباء التي أصبحت أحد أعمدة العقيدة الأمريكية الجديدة.

من الهيمنة المباشرة إلى الهيمنة الشبكية

هنا يكمن جوهر التحول الحقيقي. فالولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، لكنها تنتقل من نموذج «القوة الحارسة» إلى نموذج «القوة المنظمة».

إنها تبني ما يمكن تسميته بـ«الهيمنة الشبكية»، وهو نموذج يقوم على:

  • شبكة تحالفات واسعة ومترابطة.
  • شركاء إقليميين أكثر قدرة واستقلالية.
  • انتشار عسكري مرن وقابل للتكيف.
  • اعتماد متزايد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
  • إدارة النفوذ عبر المؤسسات والتحالفات بدلاً من التدخل العسكري المباشر.

وبهذه الطريقة تستطيع واشنطن الحفاظ على موقعها القيادي دون تحمل كامل تكلفة القيادة.

الصين: العامل الحاسم في إعادة التموضع الأمريكي

لا يمكن فهم أي تحول أمريكي اليوم بمعزل عن الصين.

فالتحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة لم يعد يتمركز في الشرق الأوسط، بل في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ.

إن المنافسة الكبرى خلال العقود المقبلة ستدور حول التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وسلاسل الإمداد العالمية، والطاقة، والممرات البحرية الاستراتيجية.

ولهذا تسعى واشنطن إلى تحرير جزء من مواردها الاستراتيجية من الشرق الأوسط دون التخلي عن نفوذها فيه.

فالهدف ليس مغادرة المنطقة، بل إعادة توزيع الموارد استعداداً لأكبر منافسة جيوسياسية يشهدها العالم منذ الحرب الباردة.

الشرق الأوسط أمام لحظة تاريخية

ما تعيشه المنطقة اليوم ليس مجرد تعديل في السياسة الأمريكية، بل تحول في قواعد اللعبة الدولية نفسها.

لقد انتهى عصر الاعتماد المطلق على الضمانات الخارجية، وبدأ عصر بناء القوة الذاتية.

ولهذا ستتمحور أولويات المرحلة المقبلة حول:

  • بناء اقتصاد قوي ومنتج.
  • تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية.
  • الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة.
  • تعزيز الأمن السيبراني.
  • تنويع الشراكات الدولية.
  • بناء تحالفات إقليمية مرنة.
  • تطوير القدرة على إدارة الأزمات بصورة مستقلة.

فالدول التي ستنجح في التكيف مع هذه التحولات ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وتأمين استقرارها في عالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.

الخلاصة: واشنطن لا تنسحب... بل تعيد اختراع الهيمنة

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأن الولايات المتحدة تتراجع عن التزاماتها التقليدية أو تمهد لانسحاب تدريجي من الشرق الأوسط، إلا أن القراءة الاستراتيجية الأعمق تشير إلى مسار مختلف تماماً.

فنحن لا نشهد أفول الهيمنة الأمريكية بقدر ما نشهد عملية إعادة هيكلة شاملة لها، وإعادة تعريف للأدوات التي تُمارَس بها القوة في القرن الحادي والعشرين.

لقد أدركت واشنطن أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الباردة لم يعد قادراً على الاستمرار بالصيغة نفسها. فتكاليف الانتشار العسكري المباشر ارتفعت، ومراكز القوة العالمية أصبحت أكثر تعدداً، والتكنولوجيا باتت تمنح الفاعلين الإقليميين وغير الدوليين قدرات لم تكن متاحة سابقاً. لذلك لم يعد الهدف الأمريكي إدارة العالم عبر الوجود العسكري الكثيف، بل عبر إدارة شبكات النفوذ والتحالفات والتكنولوجيا والاقتصاد.

ومن هنا فإن ما يجري اليوم لا يمثل بيعاً للمظلة الأمنية الأمريكية، ولا تخلياً عن الحلفاء، بل انتقالاً من نموذج الحماية التقليدية إلى نموذج الشراكة الاستراتيجية المنتجة للأمن، ومن الهيمنة المباشرة إلى الهيمنة الشبكية منخفضة الكلفة.

وربما يسجل المؤرخون هذه المرحلة باعتبارها إحدى أهم لحظات التحول في تاريخ النظام الدولي الحديث؛ ليس لأنها شهدت تراجع النفوذ الأمريكي، بل لأنها شهدت ولادة شكل جديد من الهيمنة الأمريكية أكثر مرونة، وأقل كلفة، وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا والشبكات والتحالفات العابرة للحدود.

وهنا تتجلى حقيقة اللحظة الراهنة بكل وضوح:

إن واشنطن لا تبيع مظلتها الأمنية، ولا تغادر الشرق الأوسط، بل تعيد صياغة قواعد الهيمنة ذاتها، وتعيد توزيع أدوار القوة داخل النظام الدولي بما يسمح لها بالحفاظ على موقعها القيادي لعقود قادمة.

أما السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة خلال السنوات المقبلة، فلن يكون: ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟

بل سيكون:

هل تمتلك دول الشرق الأوسط الإرادة والرؤية والقدرة على التكيف مع العالم الجديد الذي يتشكل أمام أعينها، والتحول من ساحة تتأثر بالتوازي ؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

هل تبيع واشنطن مظلتها الأمنية أم تعيد هيكلة هيمنتها؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°