في تلك الليالي العتيقة، حين تتساقط ساعات الفجر كالسكرى على جدران الغرف الباردة في هذا الصيف المتقد، لا ينتبه فرد واحد في فراشه، بل ينتبه الوطن كله مذعورا.. فجنود الاحتلال لا يقتحمون الهواء فحسب، بل يقتحمون السكن الناعم نسبيا لآلاف البيوت.. إذا بالغزاة يحطمون الأبواب دفعة واحدة، ليمطروا الأرواح بوابل من التهم والإهانات، كأن جرمهم الأوحد أنهم مازالوا يتنفسون، أو أن حيطان غرفهم قد عاكست روحهم العربية.
تكسر المقاعد في كل مكان، تحطم المرايا، تنتهك حرمة الذاكرة الجمعية، وتقلب الأوراق القديمة، كأنهم يتقصون رائحة وطن انطبعت في زوايا كل بيت.
وفي خضم هذا التنكيل الوحشي، بين تكسير عظم وخرق جدار، لا تتجه عين واحدة نحو شاشة التلفاز المعلقة كجلد ميت في صالون العذاب، بل تشخص عيون المقهورين جميعا. هناك، على ضفاف الوثني الجلدي، يتدفق سيل بشري هائل من الجماهير العربية، تتماوج كموج البحر الغاضب، تهتف كالرواعد، وتصفق كرعد المدمنين. ولو أن هذه الجموع التي تحتشد في المدرجات، سارت حافية الأقدام على رمل الجنوب، أو اخترقت حواجز القهر، لما بقي من الاحتلال شيء إلا ذكرى تلوح في دفاتر الخزي.
لكن العقل العربي المقيد، تلك اللحظة، يحس ببلادة قاتلة تتسلل إلى لب وعيه، كأن صفعات الجند قد نقلته إلى عالم آخر، عالم تتقاطر فيه الغفلة والتفاهة معا. نرى الجماهير قد شخصت أبصارها إلى كرة مستديرة كأنها تجمع كل ما تبقى من أمانيهم المعطلة، ونرى فيها صورة شعب ممحوق بين شبكة المرمى وشبكة الغزو، مشغول بتسجيل الأهداف، غافل عن تسجيل التاريخ، لاهث خلف مستديرة وراقصة تجمعه على حافة الضياع، بينما جسد الأمة يترنح تحت سياط الاحتلال. هنالك، توحدت الصورتان في لوحة واحدة: الاحتلال يقتل الجسد، والجماهير تقتل الوعي، ونحن بينهما شهداء على مذبح العقل المسلوب، لا ينقصنا سوى أن نصرخ: يا قوم، تلك الكرة تدور، وأرواحنا تَبُورُ.
أين أنتم يا جماهير المدرجات، حين يشتعل الجنوب اللبناني دما ونارا، وحين يتفتت اليمن على مفارق الحرب العبثية، وحين تقاسم العراق أشلاء الإخوة المتقاتلين، وحين تغرق ليبيا في بحر من الخراب والفوضى؟ أتقيمون الصلوات على شبكة المرمى، وتتركون الأقصى يبكي على حيطان النخوة المنهارة، وفلسطين تئن وحيدة منذ عقود، كعروس مهجورة تلتحف أشلاءها؟
إنها للعبة تافهة، تصنعون منها ملاحم، وتتركون الملاحم الحقيقية تتفتت كالسراب. تمسحون دموعكم بأكف الفرح عند كل هدف، وتتناسون أن الدماء العربية تسيل في كل ميدان، وأن الكرامة التي تبحثون عنها في الملاعب، قد رمي بها في مزابل التاريخ.
يا أمة تنسى أن إيران تلملم أشلاءها بين نار العزلة ونار إخوان العقيدة، الذين يساعدونها على الرجوع إلى العصر الحجري، وتنسى أن الحبل مازال على الجرار في كل وطن عربي، يجر البلاد إلى مزيد من التخلف والركود. ترفل الأنظمة بالتردي، والشعوب تهرب من أوطانها بحثا عن حياة كريمة، وإلا فزنازين القهر مفتوحة لكل من يتجرأ ويخرج من القطيع.










