4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

كواليس لعبة الاستثمار في حرب لبنان وفلسطين - الصفقة الكبرى

في البدء كانت النار، وفي النهاية سيبقى الرماد.. ثمة لحظة، في قلب كل حرب، يصمت فيها كل شيء. لحظة عابرة بين سقوط قذيفة وانطلاق أخرى، يخيم فيها هدوء ثقيل كالكفن. في تلك اللحظة بالذات، لو أصغيتَ جيداً، لسمعتَ صوتاً آخر غير صوت الموت. إنه صوت ماكينة لا تتوقف عن العمل، صوت دورة دولارية هائلة تدور وتدور، تطحن الحجر والبشر، وتحوّل كل شيء إلى محصولها الوحيد: الرماد.

بقلم: خالد سعيد نزال
منذ 4 ساعة
14 دقائق قراءة
16 مشاهدة
خالد سعيد نزال يكتب: كواليس لعبة الاستثمار في حرب لبنان وفلسطين - الصفقة الكبرى

خالد سعيد نزال يكتب: كواليس لعبة الاستثمار في حرب لبنان وفلسطين - الصفقة الكبرى

في البدء كانت النار، وفي النهاية سيبقى الرماد.. ثمة لحظة، في قلب كل حرب، يصمت فيها كل شيء. لحظة عابرة بين سقوط قذيفة وانطلاق أخرى، يخيم فيها هدوء ثقيل كالكفن.. في تلك اللحظة بالذات، لو أصغيتَ جيداً، لسمعتَ صوتاً آخر غير صوت الموت. إنه صوت ماكينة لا تتوقف عن العمل، صوت دورة دولارية هائلة تدور وتدور، تطحن الحجر والبشر، وتحوّل كل شيء إلى محصولها الوحيد: الرماد.


أكتبُ هذا من خارج الصورة. لا من قلب الفريق الذي لوّح برايات المقاومة تحت شعار «وحدة الساحات»، ولا من دهاليز ذاك الذي يزرع القواعد العسكرية ويحصد الدولارات تحت يافطة «الحرية». أقفُ على مسافة واحدة من الطرفين، لا لشيء إلا لأنني أرفض أن أكون وقوداً في محرقة لا يديرها أحد منا. أرفض الإمبراطورية الأمريكية التي تتعامل مع العالم، وخصوصاً عالمنا، كما تعامل الأوروبي الأول مع «الهنود الحمر»: شعوباً يجب إخضاعها أو إزاحتها أو إعادة تشكيلها على مقاس المصالح، بمنطق استعماري قاسٍ ومجرم لا يرقى إليه الشك. لكن رفضي لوحشية واشنطن لا يمنحني ترف التصفيق للمشروع الإيراني دون مساءلة. أعرف أن هذا المشروع ينطلق، في أدبياته وخطابه التأسيسي، من فكرة إسلامية أممية عابرة للقوميات: الدفاع عن أراضي المسلمين، وهندسة ما بعد سايكس بيكو، واستعادة أمجاد أمة مزقها الاستعمار. هذا خطاب يجد صداه العميق في ثقافتنا، في تاريخنا الحافل بالازدهار تحت راية الوحدة والعدل. ولكنني، وأنا أقف خارج الصورة، لا أملك إلا أن أسأل: لماذا، إذن، يتحول هذا المشروع الأممي على أرض العرب إلى حروب بالوكالة على أكتاف أطفال غزة وتراب الجنوب اللبناني؟ لماذا يُنتج رماداً عربياً لا رماداً فارسياً، وديوناً وتبعية، لا ازدهاراً وعدلاً؟ الفجوة بين الشعار والممارسة هي بالتحديد ما يجعلني أرفض أن أكون وقوداً لأيٍّ من الطرفين.
وهنا، في هذه النقطة العمياء من المشهد، يسقط السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه بصوت عالٍ، السؤال الذي يجعل هذا النص ممكناً: أين العرب في هذه اللعبة كلها؟ أين أصحاب التاريخ العريق والحضارة التي علّمت العالم، وأصحاب الموارد المذهلة والثروات الطبيعية التي تُغرق الكوكب، وأصحاب الموقع الجيوسياسي الفريد الذي يتوسط العالم ويُمسك بمضائقه وشريانه الحيوي؟ أين مشروعهم؟ بين واشنطن التي تُصرّ على هندسة المنطقة كمحمية تابعة لإمبراطوريتها، وطهران التي تُصرّ على إدارة «مقاومة» تخوض حروباً تُنتج رماداً عربياً لا رماداً فارسياً فقط ، يقف العرب وكأنهم خارج التاريخ. ليس لديهم مشروع، بل لديهم أنظمةٌ بعضها يعوّل على الحماية الأمريكية ليحكم، وبعضها الآخر يعوّل على الوكالة الإيرانية ليقاوم. وفي الحالتين، الغائب الأكبر هو مشروعٌ عربي ذاتي او توافقي اسلامي ، يبدأ من أسئلة الكرامة والتنمية والسيادة، وينتهي إلى القدرة على قول «لا» للجميع، لا أن يكون ميداناً لتصفية حساباتهم.


من غزة التي تبكي تحت أنقاضها، إلى الجنوب اللبناني الذي يحترق منذ شهور، ثمة حصاد واحد يتكرر. ليس حصاد القمح ولا الزيتون، بل حصاد الدمار المنظم، والإعمار المشروط، والديون المربوطة بأعناق الأجيال القادمة. في هذا الحصاد المرعب، يتساوى «الفارسي» و«العميل»، وتذوب صرخات «من الأكثر تأثيراً» في دخان القذائف. الكل وقود، والكل مادة خام في مصنع الفوضى المنتجة، الكل إلا أولئك الذين يُفترض بهم أن يكونوا في قلب المعركة كمشروع، لا كضحايا أو كمتفرجين.


هذه ليست قصة حرب بالمعنى التقليدي. هذه قصة عن كيف أصبح الرماد هو المحصول الوحيد المضمون، وعن المزارعين الكبار الذين يتقنون لعبة إشعال النار لإطفائها بالدولار، ثم بيع الماء الذي أحرقوه لنا على أنه «مساعدات». إنها حكاية واشنطن وطهران، ليس كعدوين وحسب، بل كشريكين متناقضين في رقصة الموت نفسها، يدير كل منهما فصلاً من فصول المأساة، ويقتسمان الأدوار باقتدار، فيما أصحاب الدار الحقيقيون… ينتظرون في الردهة.
الفصل الأول: مختبرات الفوضى المنتجة
حين تسقط قذيفة على منزل في غزة، لا يسقط معها حجر وبشر فقط. تسقط معها فرصة طفل في الذهاب إلى مدرسة لم تتدمر، وفرصة أم في طهي طعام لم يرتفع سعره عشرة أضعاف، وفرصة أب في العثور على عمل في اقتصاد لم يعد موجوداً. لكن ما يسقط أيضاً، وهذا هو المهم، هو مليارات الدولارات التي ستُضخ لاحقاً في «إعادة الإعمار». هذه المليارات لن تذهب إلى أصحاب البيت المدمر، بل إلى شركات المقاولات الكبرى، وإلى «برامج التنمية»، وإلى «تعزيز الحكم الرشيد»، وإلى جيوب الوسطاء والمقاولين المحليين الذين سيعيدون بناء ما دُمر، لينهار ثانية في الجولة القادمة من الحرب.
في غزة، اكتملت الصورة: حصار دائم ينتج احتياجاً دائماً، واحتياج دائم يبرر تدخلات مشروطة، وتدخلات مشروطة تنتج تبعية دائمة، وتبعية دائمة تنتج حاجة جديدة للحصار. إنها الدورة المثالية التي تجعل من القطاع الصغير مختبراً لما يمكن تطبيقه على نطاق أوسع.
والآن، يشتعل الجنوب اللبناني. ليس صدفة أن يشتعل بعد أن بدأت غزة تحترق، وليس صدفة أن يكون التوقيت متطابقاً مع مفاوضات واشنطن مع إيران. الجنوب ليس مجرد ساحة حرب بالوكالة، بل هو الحقل التجريبي التالي. ما يُختبر فيه ليس فقط صواريخ «حزب الله» أو قدرات الجيش الإسرائيلي، بل يُختبر سؤال أكبر: كم من الدمار يمكن أن يتحمله بلد قبل أن يقبل بأي شروط؟ وكم من الدولارات يمكن أن تُضخ بعد ذلك لجعل هذا القبول يبدو وكأنه «حل» وليس استسلاماً؟
الفصل الثاني: واشنطن وطهران – الرقصة الملعونة
في المشهد الظاهر، هما عدوان لدودان. واشنطن تلوّح بحاملات الطائرات، وطهران تلوّح بـ«وحدة الساحات». واشنطن تفرض عقوبات تخنق الاقتصاد الإيراني، وطهران تغلق مضيق هرمز. لكن انظر تحت سطح الماء، وستجد رقصة مختلفة تماماً.
واشنطن تحتاج إيران. تحتاجها عدوًا يبرر وجود قواعدها في الخليج، ويبرر مليارات الدولارات التي تتدفق من خزائن الدول العربية لشراء السلاح الأمريكي. بدون «الخطر الفارسي»، تنهار حجة «الحماية» برمتها، ويصبح السؤال موجهاً إلى الأنظمة الحليفة: لماذا تدفعون كل هذه الأموال إذا لم يكن هناك تهديد؟
إيران بدورها تحتاج واشنطن. تحتاجها عدوًا يبرر وجود نظامها بأكمله. ولكن، لكي نكون منصفين، لا يمكن أن نقرأ المشروع الإيراني بعدسة قومية فارسية ضيقة، وكأنه لا يحمل أي بُعد أممي. الثورة الإيرانية قامت على فكرة "نصرة المستضعفين" و"الوحدة الإسلامية"، وتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار. هذا هو سر جاذبيتها في جزء من الشارع العربي والإسلامي. إنها تَعِد بإعادة اللحمة والتاريخ والعدل. لكن السؤال القاسي الذي لا مفر منه: هل هذا ما يحدث فعلاً؟ أم أن آلة الدولة الإيرانية، في لعبة الأمم، تلتقط هذا الخطاب الأممي وتحوّله إلى أداة لإدارة نفوذ إقليمي، تلتهم في طريقه غزة والجنوب واليمن، فيما يبقى المركز في مأمن؟ هكذا يتحول الشعار التأسيسي النبيل، في الممارسة، إلى جزء من الرقصة نفسها: «الشيطان الأكبر» يبرر استمرار النظام، والحرب بالوكالة تبرر استمرار "المقاومة"، فيما السؤال عن العدل والازدهار يبقى معلقاً.
هكذا تلتقي المصالح في نقطة التناقض. كلاهما يريد الآخر عدواً، لكن لا أحد يريد حرباً شاملة تحرق كل شيء. الحرب الشاملة مغامرة وجودية للطرفين، قد تخرج عن السيطرة وتطيح بالنظامين معاً. الحل الأمثل، من منظور الدولار والنفوذ، هو هذه الرقصة المستمرة: تصعيد محسوب، وتهديدات متبادلة، وحروب بالوكالة تلتهم الأطراف، فيما المركزان يبقيان في مأمن. غزة والجنوب هما خشبة المسرح الذي يرقص عليه العملاقان، والجمهور الذي يدفع ثمن التذكرة.

الفصل الثالث: المهندسون الداخليون – كيف يُصنع الخراب المحلي؟
لكن المسرحية تحتاج ممثلين محليين. لا يمكن لواشنطن وطهران أن تديرا كل شيء من بعيد. هنا تأتي عبقرية التصميم الذي زرعه كيسنجر ومن سار على دربه: خلق كيانات هزيلة، منقسمة على نفسها، لا تملك جيشاً قادراً على الدفاع ولا اقتصاداً قادراً على الصمود، وتعيش على تبرعات مشروطة بـ«حفظ الأمن والاستقرار».
في لبنان، زرعت الطائفية كقنبلة موقوتة في أساس الدولة. يكفي أن يثير «زواج مختلط» جدلاً ليشعل حرباً أهلية تدوم سنوات وتغير ديموغرافيا البلاد. هذا الانقسام ليس فشلاً، بل هو أنجح منتج استثماري. إنه ينتج نخباً متناحرة، كل منها يستقوي بالخارج على الداخل، وكل منها يتسول الدعم من راعيه الإقليمي أو الدولي.
في غزة، زرع الانقسام بين «إخواني داعشي فارسي» و«وطني يقبل بالاحتلال». الأول يتلقى المساعدة من «الفرس الكفرة» ويقاتل، والثاني يرفض تلك المساعدة وينتظر أن «يغير الله أمراً كان مفعولاً» فيما المحتل يلتهم ما تبقى من أرض. الانقسام ينتج فريقيْن: فريق يُموَّل ليقاوم فيبرر استمرار الحرب، وفريق يُموَّل ليقبل بالأمر الواقع فيبرر استمرار الاحتلال. الصراخ المتبادل بينهما هو الموسيقى التصويرية للماكينة.
في الحالتين، النتيجة واحدة: بلدان لا تستطيع أن تنتصر ولا أن تستسلم. بلدان عالقة في متاهة بين التسول والشرعية الملتبسة، تدفع ثمن بقائها بالدم والكرامة.
الفصل الرابع: وثيقة الإطار – كواليس الصفقة على الطاولة الآن
تحت ضوء هذه اللعبة، يمكننا أن نفهم ما يجري في واشنطن. اللقاءات المرتقبة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي من جهة، والمفاوضات الأمريكية الإيرانية حول «وثيقة الإطار» من جهة أخرى، ليست مسارين منفصلين. إنهما وجهان لعملة واحدة.
على طاولة «الفنيين» اللبنانيين والإسرائيليين، ما يُناقش ليس سلاماً ولا حلاً. ما يُناقش هو إعادة هندسة الجنوب على مقاس أمني اقتصادي جديد. الهدف هو «فك ارتباط» لبنان عن غزة، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً ووجودياً. تحويل لبنان من ساحة تهديد إلى جزء آمن من ممر الطاقة الجديد الذي يربط شرق المتوسط بأوروبا. الترسيم البحري السابق كان الخطوة الأولى. الترسيم البري القادم هو الخطوة الثانية. وفي الحالتين، الثمن هو السيادة.
على طاولة «وثيقة الإطار» مع إيران، الصفقة أوسع. واشنطن تقول لطهران: «النووي مقابل النفوذ». تخلوا عن وكلائكم في غزة ولبنان واليمن، وسنرفع العقوبات. افتحوا اقتصادكم للاستثمار، وستتدفق مليارات الدولارات. توقفوا عن تهديد المضائق، وستصبحون جزءاً من النظام الذي يضمن تدفق النفط لا من يهدده.
الرسائل «الخشنة» التي ترافق هذه المفاوضات – التلويح بحرب واسعة، القصف المستمر، الاغتيالات – ليست تناقضاً مع التفاوض، بل هي وقوده. إنها تقول لإيران: «انظروا كم يمكننا أن نؤذيكم عبر وكلائكم. تعالوا نتفق قبل أن نخسر كل شيء». وهي تقول للبنانيين والفلسطينيين: «ثمن المقاومة باهظ جداً. لماذا لا تقبلون بالحل الذي نقدمه؟».
الفصل الخامس: المضيق والممر – الهدف الأعمق من كل هذا
لكن هناك هدفاً أبعد من غزة والجنوب، هدفاً يفسر لماذا كل هذا الجهد الآن. إنه المضيق. مضيق هرمز الذي يمر عبره النفط، وباب المندب الذي يمر عبره، وشرق المتوسط الذي يُفترض أن يمر عبره الغاز الجديد. هذه الممرات الثلاثة هي الشرايين التي يتدفق فيها دم الاقتصاد العالمي: النفط والغاز والدولار.
الحوثيون في اليمن أثبتوا أن بوسعهم شل باب المندب. إيران تسيطر بإحكام على مضيق هرمز. وحقول الغاز في شرق المتوسط تحتاج إلى أمن مستدام لتغذية أوروبا. «الشيطان الأعظم» لا يخوض هذه الحروب بدافع الكراهية أو الأيديولوجيا، بل بدافع ضمان تدفق هذا الدم المالي. كل قذيفة تسقط، كل هدنة توقع، كل اتفاق يرسم، يخدم في النهاية هدفاً واحداً: تأمين الممرات والمضائق، وضمان ألا يهددها أحد، لا «أعجمي» ولا «وطني» ولا أي كان.
التسوية الكبرى التي يجري التحضير لها تهدف إلى إعادة ربط إيران بالمنظومة المالية العالمية، ليس بدافع الكرم، بل لضمان ألا تغلق هرمز وأن تبقى سداً منيعاً أمام الصين وتوسعها الاقتصادي المنفلت وخنق الروس وحلمهم بالوصول للمياه الدافئة. وتهدف إلى تحويل لبنان من ساحة تهديد للممر الشرقي إلى جزء منه. وتهدف إلى إخراج اليمن من معادلة تهديد باب المندب. في هذه الصفقة الكبرى، غزة والجنوب هما ورقتا المساومة. يحترقان كي تضاء الطريق للمضائق وتكرس الولايات المتحدة لإمبراطوريتها العالمية دون منافس.
الفصل السادس: ماذا نملك؟ سؤال الكرامة ما بعد التسول
في نهاية هذه المتاهة، نعود إلى السؤال الذي يحرق القلوب: هل يملك اللبنانيون والفلسطينيون غير التسول؟ هل يملكون غير شرعية ملتبسة يُعترف بها فقط عند الحاجة لتوقيع وثيقة استسلام؟ ثم، بصيغة أوسع، هل يملك العرب غير هذا؟
في منطق الدولار، الجواب قاس: لا. لا نملك شيئاً. اقتصادنا مدمر، ودولتنا محتلة أو هزيلة، وجيوشنا غير قادرة على الردع، ونخبنا منقسمة تتسول الدعم من الخارج. حتى صراخنا – صراخ «الرافضي» و«العميل» و«الأكثر تأثيراً» – هو جزء من الموسيقى.
لكن هناك شيئاً آخر لا يراه منطق الدولار. هناك ما لا يمكن شراؤه أو مصادرته: حقيقة أننا ما زلنا هنا. أن غزة، بعد كل هذا الدمار، لم ترحل. أن الجنوب، بعد كل هذا القصف، لم يفرغ من بشر. أن ثمة رفضاً للفناء يتجاوز كل حسابات الربح والخسارة.
هذا الرفض ليس نقطة ضغط نستخدمها، بل هو وجودنا ذاته. نحن «نقطة الضغط». وجودنا المتجذر في الأرض، رغم كل المنطق، هو المشكلة التي تؤرق «الشيطان الأعظم». هو لا يريدنا أمواتاً، فهذا قد يحرق كل شيء. ولا يريدنا أحياءً أحراراً، فهذا يهدد تدفق الدولار. يريدنا أحياء بالقدر الذي نستهلك فيه المساعدات، وأمواتاً بالقدر الذي لا نهدد فيه المضائق. يريدنا رماداً قابلاً لإعادة التدوير.
الرماد… والمحصول القادم
حين يخفت صوت القذائف أخيراً، وحين تبدأ رافعات إعادة الإعمار عملها فوق أنقاض غزة والجنوب، حينها فقط سنرى الوجه الكامل للمحصول. سنرى شركات المقاولات وهي ترفع شعاراتها فوق بيوتنا المدمرة. وسنرى «برامج التنمية» وهي تملأ الفراغ الذي خلفته الدولة. وسنرى نخباً جديدة تصعد إلى السلطة على أكتاف المانحين. وسنسمع خطابات «المصالحة الوطنية» التي تخفي وراءها صفقات تقسيم النفوذ.
وحينها، سيسأل أحدهم: «من الرابح في كل هذا؟» وستكون الإجابة واضحة لكل من تجرأ على النظر: الرابح هو من حول دمنا إلى دولار، وبيوتنا إلى رماد، ورمادنا إلى محصول يباع ويشترى في بورصة الفوضى المنتجة.
لكن… في إحدى الليالي، بينما الجميع نيام على وقع وعود الإعمار، قد يلمع سؤال في عقل أحدهم، سؤال لم يخطر ببال المهندسين الكبار: «وماذا لو رفض الرماد أن يكون محصولاً؟ ماذا لو قرر الرماد أن يزرع نفسه؟»
حينها فقط، قد تبدأ قصة أخرى. قصة لم تكتبها واشنطن ولا طهران. قصة عنوانها ليس «الرماد هو المحصول»، بل: «من الرماد… ننهض».

 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

خالد سعيد نزال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

كواليس لعبة الاستثمار في حرب لبنان وفلسطين - الصفقة الكبرى - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°