14 يوليو 2026|القاهرة 28 °

محمد مصطفى شاهين يكتب: فلسطين تودع صديقا عظيما في زمن الشدة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

حين تستعيد الشعوب سيرة الرجال الكبار فإنها لا تتوقف عند حدود المناصب والألقاب ولا تقرأ الأشخاص من خلال مواقعهم الرسمية فقط وإنما تنظر إلى ما تركوه من أثر وما صنعوه من حضور في لحظات التحول الكبرى فالتاريخ لا يحتفظ بمن امتلكوا السلطة فقط بل بمن أحسنوا استخدام القوة السياسية لخدمة القضايا العادلة

بقلم: محمد مصطفى شاهين
منذ 7 ساعة
5 دقائق قراءة
8 مشاهدة
محمد مصطفى شاهين يكتب: فلسطين تودع صديقا عظيما في زمن الشدة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

محمد مصطفى شاهين يكتب: فلسطين تودع صديقا عظيما في زمن الشدة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

حين تستعيد الشعوب سيرة الرجال الكبار فإنها لا تتوقف عند حدود المناصب والألقاب ولا تقرأ الأشخاص من خلال مواقعهم الرسمية فقط وإنما تنظر إلى ما تركوه من أثر وما صنعوه من حضور في لحظات التحول الكبرى فالتاريخ لا يحتفظ بمن امتلكوا السلطة فقط بل بمن أحسنوا استخدام القوة السياسية لخدمة القضايا العادلة ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي ارتبط اسمه في الذاكرة الفلسطينية بمرحلة سياسية وإنسانية اتسمت بتعقيدات شديدة وبحاجة القضية الفلسطينية إلى من يعيد وضعها في قلب الاهتمام العربي والدولي.

لقد تعامل الشيخ حمد بن خليفة مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سياسية ذات أبعاد حضارية وإنسانية وليست مجرد ملف تفاوضي عابر أو ورقة تستخدم في الحسابات الإقليمية ففلسطين في رؤيته كانت قضية شعب يبحث عن الحرية والعدالة وحقه في تقرير المصير ولذلك جاء الحضور القطري في عهده محملا برسالة واضحة مفادها أن دعم الفلسطينيين لا ينبغي أن يبقى في دائرة البيانات الدبلوماسية وإنما يجب أن يتحول إلى فعل سياسي وتنموي يلامس حياة الناس ويحافظ على صمودهم.


كانت غزة تحديدا إحدى أبرز محطات هذا الحضور فقد عاشت سنوات طويلة تحت الحصار وتعرضت لاعتداءات متكررة أرهقت بنيتها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وفي تلك الظروف جاء الدور القطري ليشكل حالة مختلفة في المشهد العربي من خلال دعم مشاريع الإعمار وتطوير البنية التحتية والمساهمة في تخفيف آثار الأزمات المتلاحقة ولم يكن هذا الدعم مجرد أرقام أو مشاريع منفصلة عن سياقها السياسي بل كان يحمل دلالة أعمق تتعلق برفض تحويل غزة إلى مساحة منسية خارج حسابات العالم.


لقد شكلت زيارة الشيخ حمد بن خليفة إلى قطاع غزة محطة رمزية ذات دلالات سياسية كبيرة لأنها كسرت نمطا من العزلة المفروضة وأرسلت رسالة بأن التواصل مع الشعب الفلسطيني لا يمكن اختزاله في الحسابات التقليدية وأن الشرعية الحقيقية تستمد من القدرة على الوقوف إلى جانب الإنسان في أوقات المحن فقد كانت الزيارة بمثابة إعلان سياسي بأن غزة ليست هامشا جغرافيا بل جزء أصيل من القضية الفلسطينية وأن معاناة أهلها يجب أن تبقى حاضرة في الضمير العربي والدولي.


ومن زاوية التحليل السياسي فإن أهمية تجربة الشيخ حمد بن خليفة تكمن في إدراكه لطبيعة القوة الناعمة في العلاقات الدولية فالدول لا تبنى مكانتها فقط بما تمتلكه من إمكانات مادية وإنما بما تنتجه من تأثير ورصيد أخلاقي في محيطها فالمساعدات الإنسانية والتنموية عندما ترتبط برؤية سياسية تصبح أداة لصناعة الحضور وتعزيز المكانة وبناء جسور الثقة بين الشعوب وقد نجحت قطر في تلك المرحلة في تقديم نموذج يقوم على الجمع بين الدبلوماسية السياسية والدور الإنساني وهو ما منحها مساحة مؤثرة في الملف الفلسطيني.


كما أن حضور الشيخ حمد بن خليفة في القضية الفلسطينية لم يكن منفصلا عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة فقد جاءت مواقفه في مرحلة اتسمت بانحسار الدور العربي التقليدي وتصاعد التدخلات الدولية والإقليمية في تفاصيل القضية الفلسطينية وفي مثل هذه الظروف يصبح الموقف السياسي أكثر من مجرد خيار دبلوماسي بل يصبح تعبيرا عن رؤية للعالم وعن فهم لموازين القوى وكيفية إدارة الصراع فالدول التي تمتلك وضوحا في رؤيتها تستطيع أن تترك بصمتها حتى في الملفات الأكثر تعقيدا.


وفي الذاكرة الفلسطينية لا تقاس الشخصيات فقط بما تقوله في الخطب والمؤتمرات وإنما بما يشعر به المواطن العادي من أثر حضورها في حياته اليومية ولذلك بقي اسم الشيخ حمد بن خليفة مرتبطا لدى كثير من الفلسطينيين بصورة القائد الذي اختار أن يكون قريبا من معاناة الناس وأن يحول الموقف السياسي إلى برامج ومشاريع تخفف الألم وتحافظ على مقومات الحياة فالتاريخ الشعبي يختلف عن التاريخ الرسمي لأنه يحتفظ بتفاصيل المواقف الإنسانية ويمنح مكانته لمن وقف مع الناس عندما كانت الحاجة أكبر من الكلمات.


إن استحضار سيرة الشيخ حمد بن خليفة اليوم ليس مجرد رثاء لشخصية سياسية رحلت وإنما هو قراءة في تجربة رجل حاول أن يجعل من موقعه السياسي مساحة لخدمة قضايا تتجاوز حدود الدولة والجغرافيا فقد ترك خلفه إرثا من المواقف التي ستظل حاضرة في النقاش حول الدور العربي تجاه فلسطين وحول مسؤولية القيادات تجاه القضايا العادلة فالعظماء لا يغادرون تماما لأن أثرهم يتحول إلى جزء من ذاكرة الأمم وسيرتهم تصبح مرجعا للأجيال القادمة.


رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني فقد رحل الجسد وبقيت السيرة وبقيت المواقف شاهدة على مرحلة كان فيها لفلسطين وأهلها من يرفع صوتهم ويقف إلى جانبهم ويؤمن بأن الشعوب لا تحتاج فقط إلى من يتعاطف مع آلامها بل إلى من يشارك في صناعة أملها.

محمد مصطفى شاهين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال