مع بلوغها العقد الرابع، حركة حماس تختار الدكتور خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي العام، خلفًا للشهداء القادة "يحيى السنوار" و "إسماعيل هنية".
جاء إنجاز استحقاقها الانتخابي في مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع الفلسطيني مع السرطان الصهيوني، ويُمثل خطوة إيجابية تعكس تماسك مؤسسات الحركة وقدرتها على تجديد قيادتها في ظل حرب الإبادة الجماعية والعدوان الصهيوني المتواصل، وتعزيز لُحمة الشعب الفلسطيني والتفافه حول ثوابته الوطنية، وفي مقدمتها تحرير فلسطين، وإنهاء الاحتلال، وإستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
كما أن هذا الانتقال القيادي يعزز مواقف الحركة، خاصة بعد تصدر القضية الفلسطينية النقاشات الرسمية والشعبية في مختلف دول العالم، والتحولات الهائلة التي أعقبت عملية طوفان الأقصى، بما يعزز الحضور السياسي الفلسطيني دوليًا، ويدعم مسيرته في مقاومة الاحتلال حتى ينال حريته واستقلاله ويستعيد أرضه ومقدساته.
العملية الانتخابية مثلت رسالة واضحة للعدو الصهيوني ومؤيديه، ولكل من راهن على إنهاء المقاومة الفلسطينية، بأن حماس ما زالت حاضرةً، وقويةً وموحدةً. وستبقى ماضيةً في مسيرتها، رغم كل ما تعرضت له من اغتيالات قادتها وتصفية كوادرها ومحاولات كسر إرادتها وإرادة شعبها. وأن راية المقاومة التي يهدف العدو إلى إسقاطها بقتل القادة ستبقى خفاقة، يحملها رجال أوفياء يصونون الأمانة ويواصلون المسيرة بإيمان وعزم وثبات، أداء هذه المسؤولية العظيمة وحمل الأمانة التي تركها القادة الشهداء. وتحمل مخاطر أبرزها الاستهداف والاغتيال القريب والأُمْنِية التي يترقبها الأوفياء للإلتحاق بركب الشهداء، المقاومة الفلسطينية مستندة إلى شعبها العظيم الذي سطر أروع ملاحم الصمود والتضحية في مواجهة آلة القتل والإرهاب الصهيونية، ستبقى ثابتةً ومدافعةً عن حقوق الشعب الفلسطيني.
إن نجاح إجراء الانتخابات الداخلية وملىء الفراغ في رئاسة المكتب السياسي وعضوية الدوائر بعد اغتيال الصف القيادي السابق، ورغم كل الظروف المحيطة واعتداءات الاحتلال المتصاعدة، هي رسالة قوية للعدو الصهيوني بأن حركة حماس لا تزال قوية ومتماسكة، وبأن العدو لم ينل من عزيمتها وإرادتها وصلابتها، فمقام القيادة في هذه المرحلة الحرجة هو إختبار حقيقي للقدرة على الخروج من الوضع الكارثي لقطاع.
غزة والأزمة السياسية للقضية الفلسطينية
هذا يتطلب معايير المحافظة على البقاء الديمغرافي واعتبار الحفاظ على حياة الناس، وتثبيتهم على هذه الأرض باعتباره الهدف الأبرز المطلوب للتمسك به، ولا قيمة تعادل أرواح الناس والعيش بهدوء وأمان مع توفر المشاركة المجتمعية والظروف الموضوعية شريطة أن تكون هناك ضمانات واضحة وكافية لوقف المجازر وحماية شعبنا، في هذه المرحلة العصيبة تبرز قيمة القيادة وأهميتها ليس فقط في حجم تضحياتها إنما القيمة في بذل كل الجهد لتحقيق هدف الإنقاذ الوطني والتعافي المرحلي لغزة.
كيف تقرأ الأوساط الإسرائيلية صعود خليل الحية إلى رئاسة المكتب السياسي لحماس؟
تعقيباً على العملية الانتخابية الداخلية لحماس، جاءت تصريحات الإعلام العبري مضمنة ومنقولة عن الصحفي ألموغ بوكير: "لا بد أن يكون خليل الحية الهدف المقبل للاغتيال".
بينما نقلت صحيفة هآرتس: تقدر المنظومة الأمنية في إسرائيل أن يدفع انتخاب الحية رئيسًا لحماس قدمًا في الانتقال إلى المرحلة الثانية.
رسائل التضحية من غزة الأبية
انتخاب د.خليل الحية رئيساً لحماس لا يمثل -وفق بوكير- مجرد تغيير في فلسفة شخصية قائد بديل، بل يعكس مفهوماً جديداً للقيادة الثابتة رغم الفقد والجراح. لم يصل الحية إلى هذا الموقع إلا عبر مسار طويل من العمل والتجربة والتضحيات. الحية الذي فقد عدداً من أبنائه وأفراد أسرته في الغارات الإسرائيلية، وعاش تجربة الاستهداف المباشر لمنزله وعائلته، ومحاولة الاغتيال على طاولة التفاوض، يمثل نموذجاً لقيادة ارتبطت بالمعاناة اليومية والنزيف الغائر للشعب الفلسطيني.
إن اختياره يجسد تحولاً في صورة الحركة، التي لم تعد تقدم نفسها فقط كحركة تحرر وطني، بل كحركة ترى في التضحية والصمود جزءاً من بنيتها القيادية. كما أن القيادة في هذا السياق لا تقاس فقط بامتلاك الرؤية السياسية، وإنما بالقدرة لتحمل المسؤولية في أصعب الظروف.
انتخابه لم يرتبط بشخصه فقط، وإنما بمنطق القيادة الذي تمثله المرحلة الجديدة، فهو، بحسب وصفه، لم يأت من رحم التنظير السياسي أو التجارب الدبلوماسية التقليدية، بل من تجربة ميدانية عايشت تفاصيل الصراع الفلسطيني بكل أبعاده. بينما عكست رغبة الحركة في الجمع بين المسار السياسي والتنظيمي والميداني، باعتباره قيادياً يمتلك خبرة في ملفات متعددة، من إدارة الشأن الداخلي إلى المشاركة في جولات التفاوض، فضلاً عن حضوره داخل مؤسسات الحركة على مدار عقود.
فاللهم تقبّل من سلف، ووفّق وخُذ بيد مَن خَلَف، واجعل عاقبة أمرنا إلى رشدٍ ونصرٍ مبين، وسدد اللهم القول والعمل ومكّن للحقّ وأهله وإكفهم شرّ العَدُّو المُحتلّ والطُغاة النازيين الظالمين.









