24 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أسعد العويوي يكتب: من العواصم الغربية إلى القرن الأفريقي: هل تستطيع إسرائيل تعويض تراجع شرعيتها الدولية؟

في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها أو اقتصاداتها، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على شرعيتها السياسية وصورتها في أعين حلفائها وخصومها على حد سواء. فالقوة الصلبة قد تفرض وقائع على الأرض، لكنها لا تكفي وحدها لضمان النفوذ طويل الأمد إذا بدأت الشرعية بالتآكل.

بقلم: أخبار ومتابعات
منذ 7 ساعة
6 دقائق قراءة
9 مشاهدة
نتنياهو ورابين

نتنياهو ورابين

في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها أو اقتصاداتها، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على شرعيتها السياسية وصورتها في أعين حلفائها وخصومها على حد سواء. فالقوة الصلبة قد تفرض وقائع على الأرض، لكنها لا تكفي وحدها لضمان النفوذ طويل الأمد إذا بدأت الشرعية بالتآكل.

 

وتبدو هذه الحقيقة اليوم أكثر وضوحًا في الحالة الإسرائيلية. فمنذ تأسيسها، بنت إسرائيل جزءًا كبيرًا من مكانتها الدولية على ثلاثة أعمدة رئيسية: التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والشراكة السياسية والاقتصادية مع أوروبا، وسردية أخلاقية قدمت نفسها من خلالها بوصفها دولة ديمقراطية تواجه تحديات أمنية استثنائية. وقد وفرت هذه العناصر لإسرائيل غطاءً سياسيًا واسعًا لعقود.

 

لكن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ الحرب في غزة، كشفت عن تحول لا يمكن تجاهله. فإسرائيل لم تفقد قوتها العسكرية، ولم تخسر تحالفها مع واشنطن، لكنها تواجه تراجعًا متزايدًا في رصيدها السياسي والمعنوي داخل المجتمعات الغربية. وقد يكون هذا التراجع أكثر خطورة على المدى الطويل من أي تحدٍ عسكري، لأن الشرعية تمثل أحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي.

 

ومن الخطأ القول إن إسرائيل أصبحت معزولة؛ فهي ما تزال ترتبط بعلاقات أمنية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية، وما يزال التعاون العسكري والاستخباراتي قائمًا. لكن من الخطأ أيضًا تجاهل أن البيئة السياسية التي عملت فيها إسرائيل لعقود لم تعد كما كانت.

 

في أوروبا، أصبحت الحكومات أكثر تعرضًا لضغوط الرأي العام، وارتفعت الأصوات المطالبة بربط العلاقات مع إسرائيل باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. ولم تعد الانتقادات تقتصر على المنظمات الحقوقية، بل امتدت إلى برلمانات وأحزاب وشخصيات سياسية كانت حتى وقت قريب من أكثر المدافعين عنها.

 

غير أن التحول الأكثر أهمية ربما لا يحدث في أوروبا، بل داخل الولايات المتحدة نفسها. فعلى الرغم من استمرار الدعم الرسمي الأمريكي، يشهد المجتمع الأمريكي تغيرات تدريجية في نظرته إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتشير استطلاعات الرأي خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع مستويات التعاطف مع إسرائيل بين الشباب الأمريكي وقطاعات واسعة من الناخبين الديمقراطيين مقارنة بالأجيال السابقة. كما أصبحت الجامعات الأمريكية مسرحًا لنقاشات حادة واحتجاجات واسعة حول الحرب في غزة، في مشهد يعكس تغيرًا في المزاج العام أكثر مما يعكس تغيرًا في السياسة الرسمية.

 

وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ فالتحالفات بين الحكومات قد تستمر سنوات طويلة، لكن شرعية هذه التحالفات تتأثر تدريجيًا عندما يتغير الرأي العام. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تواجه الإدارات الأمريكية المقبلة ضغوطًا داخلية أكبر عند صياغة سياساتها تجاه إسرائيل.

 

وهنا تكمن المفارقة؛ فإسرائيل ما تزال تمتلك أحد أقوى التحالفات العسكرية في العالم، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديًا متزايدًا في الحفاظ على الصورة التي شكلت أساس هذا التحالف لعقود.

 

وفي مثل هذه الظروف، تبحث الدول عادة عن توسيع خياراتها الاستراتيجية وتنويع علاقاتها الخارجية.

 

ومن هذا المنطلق يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالقرن الأفريقي، وبأرض الصومال على وجه الخصوص. فعلى الرغم من أن أرض الصومال لم تحصل على اعتراف دولي واسع، فإن موقعها على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، يمنحها أهمية جيوسياسية تتجاوز حجمها. فهي تقع عند أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا، وتؤثر في أمن التجارة العالمية والطاقة.

 

وبالنسبة لإسرائيل، قد يحقق الانفتاح على أرض الصومال عدة أهداف، منها تعزيز الحضور في البحر الأحمر، وتوسيع شبكة العلاقات في القرن الأفريقي، ومتابعة التحولات الأمنية في منطقة أصبحت أكثر حساسية مع تصاعد المنافسة الإقليمية والدولية.

 

أما بالنسبة لأرض الصومال، فإن أي علاقة مع دولة ذات نفوذ دولي قد تمنحها فرصة إضافية لتعزيز حضورها السياسي في سعيها المستمر للحصول على الاعتراف الدولي.

 

لكن المبالغة في تصوير هذا التقارب باعتباره تعويضًا عن أوروبا أو الولايات المتحدة ستكون قراءة مبسطة للواقع. فلا يمكن مقارنة العلاقة مع كيان يسعى إلى تثبيت مكانته الدولية بالعلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يمثلان مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في النظام الدولي.

 

والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل تستطيع فتح أبواب جديدة في أفريقيا، بل لماذا أصبحت بحاجة إلى ذلك الآن.

 

تكمن الإجابة في إدراك صناع القرار الإسرائيليين أن البيئة الدولية أصبحت أكثر تعقيدًا. فالنظام العالمي يشهد تحولًا من هيمنة غربية شبه مطلقة إلى عالم متعدد مراكز القوة، حيث تتزايد أهمية التحالفات الإقليمية والممرات البحرية والدبلوماسية الاقتصادية. وفي مثل هذا العالم، يصبح تنويع العلاقات خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد توسع دبلوماسي.

 

لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاوزها: يمكن للدول أن تبني قواعد عسكرية جديدة، وأن تبرم اتفاقيات جديدة، وأن تجد شركاء جددًا، إلا أن استعادة الشرعية الدولية أصعب بكثير من بناء أي تحالف جديد.

 

فالشرعية ليست مفهومًا أخلاقيًا مجردًا، بل هي عنصر من عناصر القوة؛ إذ تؤثر في قدرة الدول على الدفاع عن سياساتها، وجذب الاستثمارات، وبناء التحالفات، وكسب الرأي العام العالمي. وعندما تبدأ هذه الشرعية بالتآكل، يصبح إصلاحها عملية طويلة ومعقدة.

 

ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد مكانة إسرائيل خلال العقد المقبل ليس عدد الدول التي ستقيم معها علاقات جديدة، ولا عدد الاتفاقيات الأمنية التي ستوقعها، بل قدرتها على استعادة ثقة قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها.

 

قد تنجح إسرائيل في توسيع حضورها في القرن الأفريقي، وقد تحقق مكاسب استراتيجية في البحر الأحمر، لكن ذلك لن يكون بديلًا عن الحفاظ على مكانتها داخل العواصم الغربية التي شكلت، على مدى عقود، الركيزة الأساسية لنفوذها الدولي.

 

في النهاية، لا تبدو القضية انتقالًا من أوروبا إلى أرض الصومال، أو من واشنطن إلى القرن الأفريقي. إنها قصة دولة تحاول التكيف مع عالم يتغير بسرعة، بينما تواجه تحديًا لا يتعلق بقوتها العسكرية، بل بقدرتها على الحفاظ على الشرعية السياسية والصورة الدولية اللتين كانتا تمثلان أحد أهم مصادر قوتها على الساحة الدولية

 

اسعد العويوي

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال