24 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د.محمد خليل مصلح يكتب: خيارات حماس وغزة في التكيف مع قرار الرئيس عباس

تتحرك التعديلات التشريعية الأخيرة صعوداً نحو إعادة تشكيل البنية الهيكلية لمؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، في وقت يمر فيه قطاع غزة بظروف إنسانية وعسكرية هي الأكثر تعقيداً في تاريخ القضية الفلسطينية.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
منذ 6 ساعة
5 دقائق قراءة
7 مشاهدة
د.محمد خليل مصلح يكتب: خيارات حماس وغزة في التكيف مع قرار الرئيس عباس

د.محمد خليل مصلح يكتب: خيارات حماس وغزة في التكيف مع قرار الرئيس عباس

تتحرك التعديلات التشريعية الأخيرة صعوداً نحو إعادة تشكيل البنية الهيكلية لمؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، في وقت يمر فيه قطاع غزة بظروف إنسانية وعسكرية هي الأكثر تعقيداً في تاريخ القضية الفلسطينية.
إن قراءة هذه القرارات الصادرة عن الرئاسة الفلسطينية — ولا سيما التعديلات المتعلقة بآلية تشكيل المجلس الوطني، وخفض عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132، واعتلاء رئيس السلطة عضوية المجلس الوطني حكمياً — تكشف عن محاولة هندسة قانونية متقدمة لحسم معركة "اليوم التالي" للحرب بشكل استباقي.
تضع هذه الهندسة حركة حماس والمكونات السياسية والميدانية في قطاع غزة أمام مأزق مركّب: كيف يمكن التكيف مع مسار تشريعي يسعى لتجريد الحركة من شرعيتها التمثيلية، دون الوقوع في فخ الصراع الداخلي المباشر أو الانهيار الإداري تحت أعباء الحرب؟
أولاً: جدلية المشهد الهندسة القانونية مقابل واقع الميدان
تستند القراءة التحليلية للمشهد السياسي الفلسطيني الراهن إلى تناقض أساسي بين مشروعين:
مشروع رام الله: الشرعية الإجرائية والتكيف الدولي.             

واقع غزة: شرعية الصمود والمحيط الميداني المعقد

أطروحة رام الله : السعي لإرضاء الاشتراطات الدولية والأقاليم الراعية لمفهوم "السلطة المُجدّدة"   تعتمد هذه الأطروحة على إصلاحات إدارية وقانونية فوقية تُؤمّن احتكار القرار داخل منظمة التحرير والسلطة التنفيذية، وتُقصي الفصائل الرافضة لمسار التسوية عبر رفع نسبة الحسم والاعتماد على التعيين المباشر.
 نقيضها الميداني في غزة : واقع ميداني تمليه استحقاقات المواجهة اليومية، حيث تُقاس الفاعلية السياسية بالقدرة على الصمود، وحفظ التماسك المجتمعي، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات، وليس بمدى استيفاء النصوص القانونية التي صِيغت في معزل عن التوافق الوطني.

ثانياً: مسارات وتكتيكات التكيف أمام حركة حماس
 

أمام هذا الواقع، لا تمتلك حركة حماس خيار التفرج، بل تنحصر استراتيجياتها للتكيف والرد في ثلاثة مسارات رئيسية:
.1 المرونة التكتيكية وتفويض "حكومة الكفاءات" الانحناء أمام العاصفة
 المفهوم: التخلي عن خيار "الإدارة المباشرة" لقطاع غزة دون التفريط في أدوات النفوذ الواقعي.
 آلية التكيف: القبول بتشكيل حكومة وفاق وطني أو لجنة إدارة تكنوقراط مستقيلة تتولى إدارة الملفات الحياتية، والمعابر، وتسهيل دخول المساعدات وإعادة الإعمار.
 الهدف الاستراتيجي: امتصاص الضغط الدولي والإقليمي المُصمم لإخراج الحركة من المشهد، وتحويل التعديلات القانونية لرام الله إلى "إجراءات شكلية" لا تُغير من حقيقة أن النفوذ المجتمعي والأمني في غزة يبقى متجذراً في البيئة الشعبية.
.2 بناء جبهة "الشرعية التوافقية" الموازية
 المفهوم: نقل معركة الشرعية من الصندوق التعيين إلى المفهوم الوطني الشامل.
 آلية التكيف: التنسيق المكثف مع فصائل المقاومة الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية والشخصيات المستقلة المطالبة بعقد اجتماع عاجل للأمناء العامين.
 الهدف الاستراتيجي: نـزع صفة "التمثيل الشامل" عن المراسيم الصادرة منفردة، والتركيز على خطاب سياسي مفاده أن "أي إعادة هيكلة لمؤسسات المنظمة بدون توافق وطني هي خطوة تعزز الانقسام ولا تخدم إلا ترتيبات مفروضة خارجياً".


.3استغلال التناقضات الميدانية الصدمة الإسرائيلية-السلطوية

 المفهوم: الرهان على عجز النصوص القانونية أمام الفيتو الإسرائيلي والواقع الجغرافي.
 آلية التكيف: الاستفادة من الرفض الصريح لحكومة الاحتلال الإسرائيلي لعطاء السلطة الفلسطينية أي دور تنفيذي أو أمني في قطاع غزة.
 الهدف الاستراتيجي: ترك طموحات رام الله التشريعية تصطدم بالجدار الإسرائيلي والمأزق الميداني، مما يكشف أن هذه المراسيم لا تعدو كونها ترتيبات نظرية تعجز عن إنتاج واقع جديد على الأرض دون التفاهم مع القوى الفاعلة في غزة.
ثالثاً: مقارنة الاستراتيجيات والنتائج المتوقعة

| المسار التكتيكي | فرص النجاح | المخاطر الرئيسية | الأثر على مستقبل غزة |
| التفويض التكنوقراطي| مرتفعة جداً | خروج التدفق المالي والإداري كلياً عن  الفصيل | تخفيف الأزمة الإنسانية وتفادي العزلة الدولية. |
| المواجهة السياسية والطعن | متوسطة | تعميق الشرخ الداخلي والوقوع في صراع شرعيات عبثي | تعطيل ملف الإعمار واستمرار حالة الشلل المؤسسي. |
| الرهان على الفشل الإسرائيلي | مرتفعة ميدانياً | استمرار الفراغ الإداري والخدمي في غزة | بقاء الوضع القائم تحت وطأة إدارة الأزمات المؤقتة. |

رابعاً: التركيب السياسي المحتمل 

إن القراءة الفاحصة لآليات التفاعل السياسي بين رام الله وغزة تشير إلى أن المراسيم الرئاسية الأخيرة — رغم طبيعتها الانتهازية لواقع غزة المنهك — *دلن تتمكن بمفردها من صياغة مستقبل القطاع.
النتيجة الحتمية:
إن أي ترتيبات سياسية لليوم التالي لا يمكن أن تنجح عبر صيغ "الإلغاء والإقصاء" القانوني. المستقبل يتجه نحو معادلة هجينة فرضاً؛ تعطي رام الله والمنظمة "الواجهة القانونية والاعتراف الدولي" للتعامل مع المجتمع الدولي بملف الإعمار، مقابل احتفاظ الفصائل في غزة بـ "الفيتو الميداني والشرعية النضالية" التي تستحيل إدارتها أو تجاوزها دون توافق وطني حقيقي.
المحصلة
تتكيف حماس وغزة مع القرار عبر فصل "إدارة السلطة" عن "بنية المقاومة"؛ فبينما تتجه السلطة في رام الله نحو تحصين نفسها مكاسبياً وقانونياً ضد التحولات الديمقراطية، تتجه غزة نحو البقاء السياسي القائم على المرونة الإدارية والتكلفة العالية لأي بديل محلي أو أجنبي يُراد فرضه خارج إطار التوافق.

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د.محمد خليل مصلح يكتب: خيارات حماس وغزة في التكيف مع قرار الرئيس عباس - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°