26 يوليو 2026|القاهرة 28 °

قيادة حماس الجديدة في ظل استمرار حرب الإبادة: دلالات انتخاب خليل الحية والخيارات والتحديات والسيناريوهات

لا تتناول هذه الورقة مجرد انتخاب قيادة جديدة لحركة حماس، بل تحاول قراءة لحظة تاريخية فارقة تعيشها القضية الفلسطينية برمتها.

بقلم: صلاح عبد العاطي
منذ 8 ساعة
5 دقائق قراءة
21 مشاهدة
حماس أعلنت انتخاب الدكتور خليل الحية رئيسا للحركة

حماس أعلنت انتخاب الدكتور خليل الحية رئيسا للحركة

لا تتناول هذه الورقة مجرد انتخاب قيادة جديدة لحركة حماس، بل تحاول قراءة لحظة تاريخية فارقة تعيشها القضية الفلسطينية برمتها. فالانتخاب جاء في ظل استمرار حرب إبادة جماعية لم تنتهِ، وفي سياق تحولات استراتيجية غير مسبوقة مست البيئة الفلسطينية والإقليمية والدولية، وأعادت تعريف طبيعة الصراع، وأولويات الفعل الوطني، وحدود الممكن السياسي.

وتنطلق الورقة من فرضية رئيسية مفادها أن انتخاب د. خليل الحية يمثل بداية مرحلة جديدة، لكنه لا يمثل بحد ذاته تحولاً في النهج. فالاختبار الحقيقي لا يتعلق بتغيير الأشخاص، بل بقدرة القيادة الجديدة على قراءة المتغيرات، وإجراء مراجعة استراتيجية عميقة، والإسهام في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني بما يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع الجديد.

وترى الورقة أن استمرار إدارة المرحلة بعقل سياسي تشكل في ظروف ما قبل السابع من أكتوبر، وبأدوات صممت لبيئة لم تعد قائمة، سيؤدي إلى تعميق الأزمة الوطنية، حتى لو حافظ على تماسك الحركة تنظيمياً. وفي المقابل، فإن إعادة التموضع الاستراتيجي لا تعني التخلي عن المقاومة أو الثوابت، بل تعني إعادة إدماجها ضمن مشروع وطني جامع، يضع إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني في مقدمة الأولويات.

وتخلص الورقة إلى أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق إدارة التنظيم إلى منطق المساهمة في إدارة مشروع وطني شامل، يستند إلى الشراكة الوطنية، والقيادة الموحدة، والاستراتيجية النضالية المشتركة، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الجامع، مع تطويرها وإصلاحها على أسس ديمقراطية وتعددية.

مدخل

تمر القضية الفلسطينية اليوم بواحدة من أكثر لحظاتها خطورة منذ النكبة عام 1948. فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لم تعد مجرد حرب عسكرية واسعة النطاق، بل تحولت إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، عبر الإبادة الجماعية، والتجويع، والتدمير المنهجي، والتهجير القسري، ومحاولات إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة، بما يفضي إلى فرض وقائع استعمارية جديدة يصعب التراجع عنها.

إن استمرار حرب الإبادة لا يعني فقط استمرار القتل والتدمير، بل يعني أيضاً أن الفلسطينيين لم يدخلوا بعد مرحلة "اليوم التالي"، كما تفترض كثير من الأدبيات السياسية، وإنما ما زالوا داخل معركة مفتوحة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والإنسانية والسياسية والقانونية والإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، جاء انتخاب الدكتور خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس، بعد استشهاد عدد من أبرز قادتها، ليشكل حدثاً تنظيمياً وسياسياً بالغ الدلالة. غير أن أهمية هذا الحدث لا تكمن في انتقال القيادة من شخص إلى آخر، وإنما في كونه يعكس طبيعة الخيارات التي اختارتها الحركة في لحظة تاريخية استثنائية، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبلها، ومستقبل قطاع غزة، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.

فالانتخابات، رغم أنها أظهرت استمرار المؤسسية داخل الحركة، وحُسمت بفارق صوت واحد فقط، كشفت أيضاً عن وجود توازنات واتجاهات مختلفة في تقدير المرحلة المقبلة، بين من يميل إلى استمرارية النهج، ومن يرى ضرورة تطوير أدوات العمل السياسي، والانفتاح على مقاربات أكثر مرونة. لكن النتيجة النهائية لم تحسم السؤال الأهم: هل ستقود القيادة الجديدة مراجعة استراتيجية حقيقية، أم ستعيد إنتاج السياسات نفسها في بيئة تغيرت جذرياً؟

لقد فرضت حرب الإبادة واقعاً فلسطينياً جديداً. فلم يعد التحدي يقتصر على مقاومة الاحتلال، بل أصبح يتعلق أيضاً بحماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على الوجود الوطني، ومنع تفكيك المجتمع، وإفشال مشاريع الفصل والتهجير، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية. وأصبح معيار النجاح لا يقاس فقط بقدرة أي فصيل على مواصلة القتال، وإنما أيضاً بقدرته على حماية المجتمع، وصيانة مقومات الصمود، والمساهمة في بلورة استراتيجية وطنية جامعة.

ومن هنا، فإن السؤال المركزي الذي تحاول هذه الورقة الإجابة عنه ليس: من يقود حركة حماس؟ بل: كيف يمكن للقيادة الجديدة أن تسهم في إعادة تعريف دور الحركة داخل المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل استمرار حرب الإبادة والتحولات الإقليمية والدولية، بما يخدم إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، واستعادة المبادرة السياسية الفلسطينية؟

وبذلك، فإن هذه الورقة لا تقدم قراءة تنظيمية لانتخابات حماس فحسب، بل تسعى إلى تقديم تقدير موقف استراتيجي واستشرافي يربط بين التحولات البنيوية التي يشهدها الصراع، وبين الخيارات المتاحة أمام الحركة والقوى الفلسطينية كافة، انطلاقاً من قناعة أساسية مفادها أن مستقبل فلسطين لن تصنعه قوة منفردة، وإنما مشروع وطني جامع، يعيد بناء النظام السياسي، ويوحد القيادة، ويطور استراتيجية نضالية مشتركة، قادرة على التفاعل مع المتغيرات دون التفريط بالحقوق الوطنية الثابتة.

صلاح عبد العاطي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

قيادة حماس الجديدة في ظل استمرار حرب الإبادة: دلالات انتخاب خليل الحية والخيارات والتحديات والسيناريوهات - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°