بين وثائق البنتاغون ومفاوضات شرم الشيخ، تنسج واشنطن خيوط هندسة جديدة للشرق الأوسط، حيث يتقاطع الأمن بالاستخبارات والدبلوماسية في عهد ترامب
كشفت وثائق أميركية مسرّبة أن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قد سهّلت، على مدى السنوات الثلاث الماضية، بناء ما وصفته بـ«البنية الأمنية الإقليمية» التي جمعت إسرائيل وست دول عربية في منظومة تنسيق عسكري واستخباري غير معلنة، رغم الإدانة العلنية للحرب الإسرائيلية على غزة.
تلك البنية، التي تطورت بين عامي 2022 و2025، تمثّل اليوم الركيزة التقنية والأمنية التي تُبنى عليها مفاوضات شرم الشيخ الجارية لإنهاء الحرب، برعاية مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
تشير الوثائق التي نشرتها واشنطن بوست بالتعاون مع الكونسورتيوم الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) إلى أن التعاون بين إسرائيل ودول عربية — من بينها مصر، البحرين، الأردن، قطر، السعودية والإمارات — لم يتوقف خلال الحرب، بل توسع ليشمل اجتماعات تخطيطية في المنامة وشرم الشيخ والدوحة، وتدريبات عسكرية في قواعد أميركية.
ورغم أن القادة العرب واصلوا إدانة العدوان الإسرائيلي علنًا، إلا أن الواقع الميداني شهد تداخلًا غير مسبوق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية والعربية تحت مظلة «سنتكوم»، التي وصفت إيران وحلفاءها في وثيقة عام 2024 بـ«محور الشر».
طبيعة التعاون العسكري السري
تصف الوثائق شبكةً عملياتية لا تُعد تحالفًا رسميًا بل «تفاهمًا وظيفيًا» بين أجهزة الدفاع، هدفها مواجهة التهديد الإيراني عبر تبادل البيانات الرادارية والمعلومات الاستخبارية، إضافة إلى التنسيق في مجال الدفاع الجوي المشترك.
وقد جرى تفعيل ما يسمى بـ«البنية الأمنية الإقليمية» عبر ربط الأنظمة العربية والإسرائيلية بمركز المراقبة الأميركي، بحيث تتمكن الدول المشاركة من مشاركة بيانات الرادار والإنذار المبكر بصورة متزامنة.
خطة ترامب ومفاوضات شرم الشيخ
تلتقي هذه البنية الأمنية مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات البنود العشرين، التي تشكل أساس مباحثات شرم الشيخ.
الخطة تنص على نشر قوة عربية – دولية في غزة للإشراف على وقف النار، وتدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة، على أن تعتمد هذه المهمة على البنية التقنية العسكرية التي أُسست منذ عام 2022.
وقد أعلنت واشنطن مؤخرًا إرسال 200 جندي أميركي إلى إسرائيل لدعم تنفيذ الاتفاق، مع مشاركة رمزية من بعض الدول العربية المنخرطة في التعاون الأمنية.
الدوحة.. نقطة التحوّل
في 9 سبتمبر 2025، استهدفت غارة إسرائيلية العاصمة القطرية الدوحة في محاولة لاغتيال قيادات من حركة حماس، ما شكّل ضربة قاصمة لشبكة التعاون السري.
فقد كشفت التحقيقات أن منظومات الإنذار الأميركية لم تُفعّل، إذ كانت موجهة نحو إيران لا إسرائيل.
بناءً على تدخل مباشر من إدارة ترامب، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتذارًا رسميًا لقطر متعهدًا بعدم تكرار العملية، وهو ما أنقذ «الهندسة الأمنية» من الانهيار الكامل قبل مباحثات شرم الشيخ.
بينما كانت شاشات العالم تتابع مشاهد الدمار في غزة، كانت دوائر القرار في واشنطن تُعيد رسم خريطة الحرب في غرف مغلقة. خلف الكواليس، بدأ مسار تفاوضي طويل انتهى إلى مفاوضات شرم الشيخ، التي تُوّجت بالحديث عن اتفاق وشيك لوقف الحرب بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن هذا الاتفاق لم يولد في شرم الشيخ وحدها؛ بل كانت جذوره تمتد عبر ثلاث سنوات من التحضيرات الميدانية والاتصالات الاستخباراتية المعقدة، بين البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) وحلفائها الإقليميين.
ما قبل شرم الشيخ: هندسة النفوذ (2022–2023)
منذ مطلع عام 2022، شرعت القيادة المركزية الأمريكية في إعادة تموضع قواتها في الشرق الأوسط، مركزة على محور البحر الأحمر وسيناء.
وبحسب وثائق نشرها واشنطن بوست وبوليتيكو في منتصف 2023، أطلقت واشنطن سلسلة تدريبات سرّية مشتركة تحت غطاء “مكافحة الإرهاب البحري”، شاركت فيها وحدات مصرية وإسرائيلية وأمريكية.
كانت تلك المناورات في حقيقتها تمهيدًا لتنسيق أمني ثلاثي يهدف إلى ضبط معادلات ما بعد الحرب في غزة، وتوفير ممرّ آمن لإعادة الإعمار بإشراف أمريكي مباشر.
«الولايات المتحدة لا تدير الحرب فقط، بل تخطط لكيفية إنهائها» — واشنطن بوست، تقرير 18 نوفمبر 2023.
تصاعد الأحداث: من حرب غزة إلى بوابة شرم الشيخ (2023–2024)
مع اندلاع حرب غزة (أكتوبر 2023)، بدأت واشنطن في مراكمة أدوات الضغط الميداني والسياسي على إسرائيل وحماس معًا.
وقد كشفت مصادر عسكرية لـواشنطن بوست أن البنتاغون أرسل وحدات تحليل استخباراتي إلى قاعدة العديد في قطر لمتابعة الميدان بالتنسيق مع الاستخبارات المصرية.
بحلول منتصف 2024، كانت المفاوضات السرّية قد بدأت فعليًا، عبر قناة ثلاثية ( مكتب الأمن القومي الأمريكي، جهاز المخابرات العامة المصرية، والوسيط القطري).
في هذه المرحلة، أُطلقت تسمية “مسار شرم الشيخ” على الاجتماعات التي عُقدت بين وفود أمنية رفيعة من مصر وإسرائيل والولايات المتحدة.
هذه الاجتماعات – كما أكدت واشنطن بوست (أغسطس 2024) – مهّدت لبلورة إطار أولي لوقف إطلاق النار يتضمن صفقة تبادل أسرى واسعة، وضمانات أمنية إسرائيلية – مصرية على الحدود مع غزة.
المخطط الزمني التصاعدي للأحداث (2022–2025)
2022
إعادة انتشار قوات القيادة المركزية الأمريكية في البحر الأحمر وسيناء، وبدء تدريبات “بريت استار ” بتنسيق موسع مع مصر وإسرائيل.
2023 (ربيع–صيف):
تزايد وتيرة المناورات المشتركة، وظهور إشارات مبكرة على تشكيل غرفة عمليات ثلاثية بقيادة سنتكوم لمتابعة التهديدات من غزة وسيناء.
أكتوبر 2023:
اندلاع حرب غزة، وبدء الاتصالات الأمريكية–المصرية–القطرية لإدارة الأزمة.
يناير–يونيو 2024:
تسريبات واشنطن بوست تكشف عن اجتماعات مغلقة في القاهرة وشرم الشيخ بمشاركة ضباط من البنتاغون ومجلس الأمن القومي الأمريكي.
سبتمبر 2024:
بدء جولات تفاوض مباشرة في شرم الشيخ بين وفود أمنية مصرية وإسرائيلية وأمريكية بحضور مستشارين من الأمم المتحدة.
فبراير 2025:
انعقاد “قمة شرم الشيخ للأمن الإقليمي” بحضور الرئيس ترامب، والإعلان عن اتفاق مبدئي لوقف الحرب يتضمن تبادل أسرى وإعادة إعمار تحت إشراف أمريكي–مصري.
منتصف 2025:
بداية تنفيذ الاتفاق عبر لجان ميدانية مشتركة، وتصاعد الحديث عن دور مصري محوري في ضمان الأمن الحدودي وإعادة الإعمار.
ترامب والعودة إلى الدبلوماسية الاستعراضية
عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي كانت جزءًا من المسرحية الجيوسياسية التي أراد البيت الأبيض الجديد إخراجها بدقة.
تزامن الإعلان عن “اتفاق شرم الشيخ” مع زيارة ترامب إلى المنطقة، حيث ظهر محاطًا بقيادات عسكرية مصرية وأمريكية، في صورة أعادت للأذهان مشهد “كامب ديفيد” عام 1978، ولكن بنسخة معاصرة تُعيد لأمريكا زمام القيادة في الشرق الأوسط بعد عقد من التراجع.
أراد ترامب أن يُقدّم نفسه كـ«صانع سلام صلب» — قادر على فرض الاستقرار بالقوة الناعمة والتهديد العسكري معًا.
ما وراء الكواليس: لعبة الاستخبارات والاقتصاد
الوثائق التي تسربت من البنتاغون في أبريل 2025 تشير إلى أن المفاوضات لم تكن محصورة في وقف النار، بل شملت أيضًا ملفات الطاقة والغاز والحدود الملاحية في شرق المتوسط.
حيث ضغطت واشنطن لإعادة فتح خطوط الغاز من العريش إلى غزة، مقابل تمويل خليجي – أوروبي لإعادة الإعمار تحت إشراف مباشر من شركات أمريكية.
هذا البُعد الاقتصادي كان — بحسب واشنطن بوست — العصب الحقيقي للاتفاق، أكثر من كونه خطوة إنسانية بحتة.
وتؤكد الوثائق المسرّبة أن الشبكات الأمنية التي أنشأتها واشنطن في المنطقة تحوّلت من منظومة دفاعية إلى أداة سياسية لإعادة هندسة موازين القوة في الشرق الأوسط.
ورغم أن هذه البنية أسهمت في تمهيد الطريق لمفاوضات شرم الشيخ، فإن استدامة الاتفاق تعتمد على قدرة الوسطاء على سدّ الفجوة بين الأمن والتطبيع، وبين المصالح الأميركية والحساسية الشعبية العربية
أخيراً وليس آخراً
هندسة جديدة للشرق الأوسط
من البنتاغون إلى شرم الشيخ، مرورًا بالدوحة وتل أبيب والقاهرة، تكشف خيوط الصفقة أن ما جرى لم يكن مجرد وقف لإطلاق النار، بل ولادة لترتيب إقليمي جديد تقوده واشنطن على إيقاع مصالحها الاستراتيجية.
وبينما احتفى ترامب بالاتفاق بوصفه “أكبر إنجاز سلام في القرن”، فإن الشرق الأوسط يدرك أن ما تحقق ليس سلامًا بقدر ما هو هدنة مشروطة بالاقتصاد والأمن والمصالح المشتركة.
في النهاية، يبدو أن “الاستقرار” الذي تتحدث عنه واشنطن هو استقرار يمر عبر المصالح لا المبادئ، وعبر القواعد العسكرية لا صناديق الاقتراع.










