قال الكاتب الإسرائيلي إيتان بن إلياهو إن سؤال وقف القتال الصحيح بعد كل جولة من الحروب هو جوهر الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية منذ عهد جابوتنسكي وبن جوريون، وأن غياب إجابة واضحة وحاسمة على هذا السؤال هو ما أدّى إلى تحويل النقاش العام إلى مطاردة وهم "النصر" بدلاً من تحديد حدود زمنية ومضمونية للقتال تُصون الدولة وتحقق مصالحها الواقعية.
ويربط بن إلياهو جذور هذا الخلل بعقيدة بن جوريون غير المتماثلة تجاه العرب —حيث الأعداد والموارد لصالح الطرف الآخر— وبالتالي فرضت عقلية جولات القتال المتكررة التي يجب أن تنتهي كل مرة بتفوق إسرائيلي يُرسي وقائع جديدة؛ لكنّ السؤال العملي والعمّي الذي بقي مطروحاً هو: متى نعلن التوقف في كل جولة؟
وأضاف بن إلياهو، في مقال نُشر بصحيفـة "يديعوت أحرونوت"، أن غياب إجابة مُتحكّمة على هذا السؤال أجّج انقسامات داخل النظام السياسي والمجتمع؛ فمنذ السابع من أكتوبر تَبنّت الحكومة أهدافاً مطلقة تتمحور حول تدمير بنية "حماس" التحتية وتصفيتها وتحويل القطاع إلى ساحة بلا سلاح، وهو إطار لا يمنح مساحة للحوار العملي حول "نقطة التوقف الصحيحة".
كما يذكر الكاتب أن اقتراحاتٍ مختلفة طُرحت كحدّ للنصر—منها افتراض أن قتل 50 ألف شخص في غزة يعني "نصرًا مطلقًا"، أو أن إعادة جميع الأسرى كافية لوقف القتال—لكنها اقتراحات اضطرابية وغير مدروسة، ولم توفّق الحكومة في المبادرة لوقف إطلاق النار؛ بل تَمّ إملاؤه في النهاية عبر قرار الرئيس الأمريكي الذي دفع نحو إعادة الأسرى وإيقاف القتال، في سيناريو يثير تساؤلات حول من يمسك بمفاتيح القرار.
فقه الجولات
يفتح الكاتب ملفًا تاريخيًا: استلهامًا من منطق زئيف جابوتنسكي وبن جوريون؛ الحرب مفهومة كدوائر متكررة تُفضي إلى تراكم نجاحات تُجبر الخصم على القبول بالواقع. وأشار إلى أنه بعد أن نشر جابوتنسكي مقاله "الجدار الحديدي"، طلب من بن جوريون - كقائد عسكري وليس بصفته مفكراً - أن يصوغ استراتيجية الأمن بمصطلحات عملية.
يواصل الكاتب التفاتته التاريخية قائلا: "لقد استندت عقيدة بن جوريون إلى عدم التناظر ما بين العرب واليهود: "إن عدد العرب أكبر منا بأضعاف، والموارد المتاحة لهم أكبر من مواردنا." من هنا، جاءت التوقعات أن نمط الحروب سيكون على جولات، وبحسب هذا الفهم، علينا أن ننهي كل جولة ونحن متفوقون. فكلاهما - جابوتنسكي وبن جوريون - اعتقدا أن تراكُم النجاحات سيؤدي إلى أن يستوعب العرب، وبينهم الفلسطينيون، أن وجودنا هنا هو حقيقة لا يمكن تغييرها، وعندها فقط، سيكون من الممكن التوصل إلى تسوية".
لكن بن إلياهو يسأل بصرامة: إذا كان هذا المنطق مقبولًا، فكم تساوي كل جولة؟ وما هو المؤشّر العملي الذي يُعلِن أن الجولة انتهت؟ وهو يلمّح إلى أن غياب إجابات حاسمة ترك الساحة مفتوحة لتصورات متشددة داخل القيادة السياسية، جعلت الهدف يتحوّل من "تحديد نقطة توقف عقلانية" إلى "مطاردة انتصار مطلق" لا سياق له عمليًا.
ويستعرض أن صيغ الانتصار التي عُرضت لم تكن نتيجة تحليل استراتيجي مدروس، بل مخرجات شعارات سياسية وضغوط شعبية؛ مثال ذلك ما أورده إلياهو يوسيان الذي طرح رقماً عظيما (50 ألف “قتيل”) كمعيار انتصار، اقتراح يعكس تشويهًا أخلاقيًا وعجزًا استراتيجيًا في ذات الوقت. كذلك هناك رؤية أخرى ترى أن إعادة كل الأسرى تكفي لوقف القتال؛ لكن هذا الحل يترك دون معالجة سؤال ما بعد التوقف: من يقود الحكم في غزة؟ ومن يضمن عدم تراكم قوة عسكرية بديلة؟
توقف مفروض أم مُبادَر؟
يبيّن الكاتب أن وقف القتال هذه المرّة لم يكن مبادرةً إسرائيلية، بل كانت أسبابه وحوافزه خارجية، إذ إن الرئيس الأمريكي أصدر أمرًا بوقف القتال وإعادة الأسرى، وما نتج عن ذلك كان جزئياً وتعطّل الانتقال إلى المرحلة الثانية؛ وهي حالة طبيعية في الاتفاقيات المعقّدة حيث تتحوّل خطوة التوقيع إلى سيناريوهات تنفيذ متقطّعة تصاحبها حوادث وإطلاق نار.
لكن بن إلياهو يعتبر أن بقاء القرار بيدٍ خارجية يخلّف ضعفًا في الموقف الإسرائيلي ويخلف انقسامًا داخليًا عميقًا يستمر سنوات. لذا يرى الكاتب أن الدرس واضح: يجب أن تكون إسرائيل شريكًا فعالًا في إكمال الاتفاقات، وأن تمتلك استعدادًا للاحتمالات المفاجئة، وأن تحدّد هي نقاط التوقف لتتفادى أن تجرّها تصريحات خارجية إلى مآلات سياسية تضعف دورها.
مؤشر النهاية الميداني
يركّز بن إلياهو على بُعد ميداني وعيني: قال جاريد كوشنر بعد زيارته لغزة إن المشهد يشبه "أثر قنبلة نووية"؛ وهذا التصريح، بحسب الكاتب، يكفي لقول إن حجم الدمار قد يشكّل نقطة نهاية عملية للجولة الحالية. لكنه يربط ذلك أيضًا بضرورة الاعتراف بأن جولة واحدة لا تقطع الصراع نهائيًا، ولذلك السؤال عن نقطة التوقف لا يقتصر على العيار الميداني بل يشمل أيضاً الجانب السياسي—مَن يدير ما بعد التوقف؟ وما آليات الردع والاستمرار التي سنبنيها كي تُفضي الجولات المتتابعة في النهاية إلى حلٍّ مستمر؟
ويلحّ الكاتب على أن الاستجابة المناسبة الآن ليست محاولة نكران أن قرار التوقف جاء خارجيًا، بل العمل بحزم على تنفيذ ما اتُّفق عليه ضمن خطة ترامب، وإضافة طبقات ردع متراكمة تُعزّز موقف إسرائيل وتُمكّنها لاحقًا من تحديد نقاط التوقف بمبادرة وطنية، وليس بتلقين خارجي.
الانقسام طويل الأمد
يختتم بن إلياهو بالتشديد على أن ترك قرار نقطة التوقف في يد ترامب أو أي جهة خارجية يترك آثارًا سلبية للاستقرار السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل؛ فالانقسام الذي نتج عن ذلك سيلازم المجتمع لسنوات، وسيكون من نتائج عدم القدرة على تحديد قواعد اللعبة داخليًا. لذلك يطالب بترتيبٍ سياسي واستراتيجي داخلي يسمح لإسرائيل بالمبادرة عند الحاجة، والاستعداد للدور المقبل عندما تمليه مصالح الأمن القومي.










