قال الكاتب الإسرائيلي يوآف ليمور في مقال نشرته صحيفة "إسرائيل هيوم" إن قضية المدعية العسكرية العامة يفعات تومر يروشالمي تحولت إلى أحد أخطر الملفات التي واجهت المنظومة الأمنية الإسرائيلية منذ عقود، لأنها لم تكشف فقط عن خرق أمني أو قانوني، بل عن تصدّع عميق في بنية الجيش ذاته، وعن أزمة ثقة غير مسبوقة داخل المؤسستين العسكرية والقضائية في آنٍ واحد.
وأوضح أن رئيس الأركان إيّال زامير رأى في سلوك المدعية "إهانة شخصية"، بعد أن كذبت عليه وعلى المحكمة العليا، وفق ما ذكر الكاتب، ما جعل المسألة تتجاوز تسريب الشريط إلى فضيحة تمسّ هيبة المؤسسة العسكرية بأكملها.
وأضاف ليمور أن جوهر القضية لا يكمن في تسريب المواد التي وثّقت حادثة تعذيب أسير من "حماس" في قاعدة سديه تيمان، بل في ضرب منظومة القيم والانضباط التي يقوم عليها الجيش. فالتسريبات في إسرائيل لم تكن يومًا نادرة، وبعضها كان أخطر وأكثر ضررًا للأمن القومي، لكن ما يميّز هذه الحادثة هو حجم التصدع الداخلي الذي أظهرته، إذ كشفت كيف فقدت المؤسسة العسكرية قدرتها على التماسك وعلى إدارة الأزمات داخليًا دون أن تتحول إلى مادة صراع سياسي وإعلامي.
أزمة ثقة داخل المؤسسة
يرى الكاتب أن استقالة المدعية العسكرية تومر يروشالمي، رغم أهميتها الشكلية، لن تُنهي العاصفة، لأن جذور الأزمة أعمق من واقعة التسريب نفسها. فالمسألة، بحسبه، تمسّ البنية القانونية والأخلاقية التي يفترض أن تحكم علاقة الجيش بالقانون وبالمجتمع، وتكشف عن هشاشة الثقة بين القيادة العسكرية وأذرعها القانونية.
ويقول ليمور إن رسالة المدعية التي ملأتها الاعتذارات والادعاءات بالحرص على "المؤسسة والقانون" لم تُقنع أحدًا، لأنها في واقع الأمر ألحقت أذى فادحًا بكليهما، كما أن سلوكها شبيه بما فعله كبار ضباط "الشاباك" في قضية الخط 300 حين تحولت الرغبة في حماية الدولة إلى سلسلة من الأكاذيب والتكتم.
ويضيف الكاتب أن الضرر الأكبر الذي خلّفته هذه الفضيحة لا يتمثل في الشريط نفسه، بل في انهيار صورة المنظومة أمام الرأي العام. فالقضية جعلت الجيش يبدو كأنه يتلاعب بالقانون حين يشاء، ويقدّمه كقناع عندما يريد التغطية على الإخفاقات. ومن هنا يؤكد ليمور أن جهاز الادعاء العسكري بحاجة إلى "هزّة عميقة" تُعيد بناءه من الجذور، مشيرًا إلى أن الاستقالات المقبلة لن تتوقف عند المدعية العسكرية تومر يروشالمي وحدها، بل ستطال ضباطًا كبارًا آخرين تورطوا بشكل مباشر أو غير مباشر.
وظيفة الادعاء المنسية
يُذكّر الكاتب بأن وظيفة الادعاء العسكري ليست تبرير كل ما يقوم به الجيش أو تحويل المؤسسة إلى "فرقة تشجيع"، بل حماية الجنود من الانزلاق القانوني مع الحفاظ على معايير الانضباط والشرعية.
ويقول إن ما نُشر من مزاعم بأن المدعية عطّلت بعض العمليات العسكرية عمدًا هو "هراء سياسي مُغرض"، مؤكدًا أنها كانت، في بعض الحالات، تحذر من قرارات قد تضع قادة الجيش أمام اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وهو بالضبط الدور الذي وُجدت من أجله النيابة العسكرية.
ويرى ليمور أن الأزمة الحقيقية ليست في "تسريب شريط"، بل في غياب الفهم داخل المؤسسة العسكرية لوظيفة القضاء العسكري. فكلما حاول أحدهم فرض حدّ قانوني على تجاوزات الميدان، اتُّهم بأنه يضعف الجيش أو يخون مقاتليه، في حين أن القانون – من وجهة نظر الكاتب – هو ما يمنح الجيش شرعيته ويصون صورته أمام العالم. ولهذا يدعو إلى استبدال القيادات الحالية بعناصر مهنية تضع الكفاءة قبل الولاء، مثل العميد دورون بن باراك الذي شغل مناصب قانونية رفيعة في السابق.
نفاق كاتس السياسي
يفتح الكاتب النار على وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، واصفًا موقفه من القضية بأنه "نفاق فجّ" يعكس انتقائية السلطة في توجيه الغضب.
ويقول ليمور إن كاتس، الذي سارع للمطالبة بسحب رتبة المدعية العسكرية، لم يُظهر الشجاعة نفسها حين تم تسريب مواد استخباراتية خطيرة إلى صحيفة ألمانية أدت إلى إفشال صفقة تبادل أسرى، وربما إلى مقتل عدد من الأسرى الإسرائيليين، ومع ذلك لم يحرّك ساكنًا. ويضيف أن كاتس يتعامل مع الأزمات وفق مبدأ بسيط: القوة على الضعفاء، والصمت أمام الأقوياء.
ويرى الكاتب أن مثل هذا السلوك السياسي يقوّض ثقة الجمهور بالمؤسسات الأمنية، ويحوّل النقاش حول القيم والقانون إلى أداة لتصفية الحسابات الداخلية. فبدلاً من أن يُظهر كاتس الحزم نفسه تجاه التجاوزات التي تحدث داخل مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أو بين أعضاء الكنيست المشتبه في تورطهم بفضائح جنائية، يختار الطريق الأسهل: الهجوم على المدعية المطرودة لإرضاء الشارع اليميني الذي يطالب بالانتقام لا بالإصلاح.
معركة على سيادة القانون
يشير ليمور إلى أن القضية الحالية تُستخدم الآن ذريعةً للهجوم على منظومة القضاء بأكملها، وخاصة على المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة. فبعض الأصوات اليمينية، كما يقول، طالبت بإبعاد المستشارة عن متابعة التحقيق رغم أنها هي من أمرت الشرطة بفتحه بعد إبلاغها من رئيس الأركان.
ويصف الكاتب هذه الحملة بأنها استمرار للمعركة السياسية ضد استقلال القضاء في إسرائيل، وأنها تأتي بالتزامن مع تحركات في الكنيست لتمرير تشريعات جديدة تقيّد الإعلام وتضعف الديمقراطية تحت ذريعة "حماية الأمن القومي".
ويحذر من أن تحويل قضية التسريب إلى سلاح سياسي سيفضي إلى نتائج عكسية، إذ سيتراجع الالتزام بسيادة القانون وستتآكل صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية. فالفرق بين دولة تحترم القانون وبين خصومها، كما يقول ليمور، يكمن في قدرتها على محاسبة نفسها حين تخطئ، لا في قدرتها على التستر أو الانتقام.
ما ينتظر المؤسسة
يختم ليمور بالقول إن "الزلزال المؤسسي" الذي أشعلته قضية المدعية العسكرية لم يصل بعد إلى نهايته. فالقادم، على الأرجح، هو موجة من التحقيقات والإقالات وإعادة الهيكلة داخل جهاز الادعاء العسكري، وربما أيضًا تضييق أكبر على الإعلام بحجة تسريبات الأمن القومي.
ويؤكد أن ما سيحدد مستقبل المؤسسة العسكرية ليس حجم العقوبات التي ستُفرض، بل الطريقة التي ستُدار بها الأزمة: إما كفرصة لإصلاح شامل يعيد بناء الثقة، أو كأداة لتصفية الحسابات السياسية. وفي كلتا الحالتين، ستبقى الفضيحة علامة فارقة في تاريخ الجيش، تكشف للمجتمع الإسرائيلي أن الخطر الحقيقي لم يأتِ من التسريب... بل من الداخل.










