21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أردوغان يلاحق نتنياهو.. هل تُعيد تركيا رسم حدود القوة في غزة؟

قال الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يبدو عازمًا على انتزاع موطئ قدم مباشر داخل قطاع غزة، ليس فقط عبر الضغط السياسي، بل من خلال خطوات قضائية جريئة.

بقلم: عمرو المصري
١١ نوفمبر ٢٠٢٥
7 دقائق قراءة
8 مشاهدة
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

قال الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يبدو عازمًا على انتزاع موطئ قدم مباشر داخل قطاع غزة، ليس فقط عبر الضغط السياسي، بل من خلال خطوات قضائية جريئة تستهدف كبار المسؤولين الإسرائيليين وتفتح الباب أمام صدام دبلوماسي واسع.

ويشير الكاتب إلى أن إصدار 37 أمر اعتقال بحق قيادات وشخصيات إسرائيلية ليس تفصيلًا عابرًا، بل بداية حملة تركية منهجية تعتبرها أنقرة جزءًا من معركة طويلة ضد ما تقول إنه جرائم حرب ارتُكبت بحق المدنيين في القطاع، بما يشمل استهداف النساء والأطفال، تدمير المستشفيات، منع المساعدات، وتخريب البنية التحتية المدنية بشكل واسع.

وأضاف برئيل، في مقال نشره في صحيفة هآرتس، أن أنقرة ترى في هذه الخطوة فصلًا أول في مسار ممتدّ صيغ وفق تعليمات مباشرة من أردوغان نفسه، واستغرق أسابيع من الإعداد. ويقول الكاتب إن مصدرًا تركيًا رفيعًا شرح أن التردد لم يكن بشأن صياغة لوائح الاتهام، بل حول "التوقيت المناسب" لإعلانها، بسبب النقاشات الجارية مع الولايات المتحدة ودول الوساطة بشأن شكل القوة الدولية التي ستدخل غزة بعد انتهاء الحرب، وهي القوة التي تريد تركيا أن تكون جزءًا مؤثرًا فيها رغم المعارضة الإسرائيلية الشرسة.

الدفعة الأولى

يشرح الكاتب أن أوامر الاعتقال الصادرة يوم الجمعة شملت أسماء بارزة مثل بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، إضافة إلى قائد البحرية دافيد سلمه وآخرين لم تُعلن أسماؤهم بعد. ويؤكد أن لوائح الاتهام تضم جردًا تفصيليًا لعشرات الجرائم، تشمل القصف المباشر للمدنيين، والاستهداف المقصود للمستشفيات، والتجويع المتعمد، وهي الاتهامات التي تعتبرها أنقرة موثقة بما يكفي لتأسيس ملف قضائي واسع ضد القيادة الإسرائيلية.

ويشير برئيل إلى أن المصدر التركي يرى أن أردوغان حسم قراره بعدما واجه رفضًا إسرائيليًا قاطعًا للسماح للقوات التركية بالتواجد داخل غزة، إضافة إلى ميل الإدارة الأمريكية لتبنّي الموقف الإسرائيلي، الأمر الذي اعتبره الرئيس التركي سببًا كافيًا لإطلاق آلية الملاحقة القضائية.

طموح أنقرة

يرى الكاتب أن تفسير أنقرة بأن إصدار أوامر الاعتقال مرتبط برفض مشاركة تركيا في القوة الدولية هو تفسير يحتاج إلى الحذر، لأن أردوغان — في رأي الكاتب — لا يزال يطمح بقوة للحصول على موقع مركزي في أي ترتيبات مستقبلية داخل القطاع.

ويضيف أن الرئيس التركي لا يرى أي تناقض بين ملاحقة القيادات الإسرائيلية قضائيًا وبين سعيه للمشاركة في القوة الدولية، بل يعتبر الخطوتين جزءًا من استراتيجية مزدوجة: معاقبة إسرائيل من جهة، وانتزاع اعتراف أمريكي بدور تركي قيادي من جهة أخرى، باعتبار أن تركيا باتت — حسب وصف المقال — "العزيز" لدى الإدارة الأمريكية والمكوّن الإقليمي الذي لا يمكن تجاوزه.

استعادة الدور الغائب

يتوقف الكاتب أمام حقيقة أن تركيا كانت مستبعدة تمامًا من التعاملات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين طوال السنوات الماضية. ويشير إلى أن أنقرة، رغم علاقتها الجيدة سابقًا مع بعض رؤساء الحكومات الإسرائيليين، مثل أولمرت، لم تُعتبر وسيطًا موثوقًا لا من إسرائيل ولا من أمريكا ولا من مصر ولا من الأردن، ولا حتى من السلطة الفلسطينية، التي كانت تفضّل الوساطة العربية التقليدية.

كما يستعيد الكاتب توتر أنقرة مع الإمارات بسبب اتفاق التطبيع مع إسرائيل، وإطلاق أردوغان تهديدات بقطع العلاقات مع أبوظبي، ما عزّز الإحساس الإقليمي بأن تركيا تسعى لاحتكار "الملف الفلسطيني" سياسيًا ودبلوماسيًا بما يتجاوز حدود الدور التقليدي.

ينتقد برئيل غياب تركيا شبه التام عن طاولات الوساطة الأساسية خلال الحرب، رغم طلبات إسرائيلية وأمريكية محدودة لها في الأيام الأولى من الحرب للمساعدة في جهود تحرير الأسرى الإسرائيليين. ويؤكد أن أنقرة تمكنت فعلاً من ضمان إطلاق سراح خمسة تايلانديين، ولعبت دورًا في نقاشات جزئية حول إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، لكنها بقيت خارج المشهد العلني مقارنةً بقطر ومصر والولايات المتحدة، التي احتكرت المشهد بالكامل.

ويقول الكاتب إن اللحظة التي دخلت فيها تركيا إلى الصورة بشكل رسمي كانت فقط بعد تقديم الرئيس الأمريكي خطته لإنهاء الحرب، حين ظهرت أنقرة لأول مرة كضامن معلن لاتفاق وقف إطلاق النار ومراحل خطة النقاط العشرين.

قلق مصري

في قسم طويل من مقاله، يوضح الكاتب أن مصر — صاحبة "الخطة المصرية" التي سبقت خطة ترامب— تنظر بحذر شديد إلى الدخول التركي المحتمل في غزة. ويشير إلى أن القاهرة، رغم استعادة العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة بعد 12 سنة من القطيعة، لا تزال تجد أسبابًا جوهرية لرفض النفوذ التركي داخل القطاع، خاصة إذا مضت خطة ترامب إلى مرحلتيها الثانية والثالثة، حيث تتطلع مصر لقيادة جهود الإعمار تحت إشراف "مجلس السلام" الذي شكله الرئيس الأمريكي.

ويضيف برئيل أن القاهرة ترى في الإعمار مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا يتضمن مليارات الدولارات، تشغيل الشركات المصرية، حركة تجارية واسعة، وجمارك وخدمات ومصالح استراتيجية، وأن أي وجود تركي قوي سيهدد هذه المكاسب المحتملة.

عقدة ليبيا

يشرح الكاتب أن التوتر بين مصر وتركيا يتجاوز غزة ليصل إلى ملفات حسّاسة، أبرزها ليبيا، حيث دعمت أنقرة وحلفاؤها الحكومة المعترف بها دوليًا، بينما دعمت مصر والإمارات خليفة حفتر. ويضيف أن اتفاق ترسيم الحدود الاقتصادية بين تركيا وليبيا، والذي هدد صادرات الغاز المصري إلى أوروبا، خلق صدامًا دبلوماسيًا حادًا هدأ نسبيًا بعد إمداد تركيا لمصر بسفينة غاز مسال، دون أن يختفي تمامًا.

كما يشير إلى اختلاف موقفي الدولتين من سوريا، حيث يحتفي أردوغان بالرئيس السوري أحمد الشرع، بينما يلتزم السيسي حذرًا كبيرًا في التعامل مع الشرع، الذي أصبح — كما يصف الكاتب — محط رعاية ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

حضور مرفوض

يقول الكاتب إن غياب مصر عن المؤتمر الذي دعت إليه تركيا الأسبوع الماضي لمناقشة مستقبل غزة لم يكن صدفة، وإن تفسير وزير الخارجية التركي بأن بدر عبد العاطي لديه لقاءات دبلوماسية لم يكن دقيقًا، لأن جدول أعمال القاهرة كان خاليًا من أي نشاط مهم في تلك الفترة.

ويرى برئيل أن انزعاج القاهرة من احتمال تمتع تركيا بميزة عسكرية داخل غزة يدفعها إلى عرقلة الطموح التركي بكل الطرق الممكنة، خاصة مع الدعم القوي الذي يحصل عليه أردوغان من ترامب، الذي قد يميل إلى منح أنقرة نفوذًا أمنيًا مباشرة داخل القطاع.

القرار الأمريكي

يختتم الكاتب بالإشارة إلى أن البيت الأبيض هو الذي سيحسم في نهاية المطاف شكل القوة الدولية، هويتها، قيادتها، وولاية نشاطها، سواء كانت تفويضًا من مجلس الأمن أو اتفاقًا دوليًا مستقلًا بين الشركاء. ويضيف أن مشروع القرار الأمريكي الأخير لا يوضح الكثير من التفاصيل التي تحتاجها الدول المرشحة للمشاركة، بما فيها تركيا، التي تربط مشاركتها بالنص النهائي للقرار.

ويرى أن أنقرة لديها القدرة على التأثير في صياغة القرار وآليات تنفيذه، حتى لو تعارض ذلك مع إسرائيل، وأن انضمامها إلى الصف الأمريكي قد يفتح الباب أمام دول أخرى للمشاركة، في حين لن تستطيع إسرائيل أو الشراكة الإسرائيلية–المصرية عرقلة الدور التركي إذا تم حسمه دوليًا.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال