رأت الكاتبة آنا برسكي في صحيفة معاريف أن الرسالة التي أرسلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ تمثل لحظة حاسمة في العلاقة بين السياسة الأمريكية والداخل الإسرائيلي، وهي تعكس مدى تأثير التدخل الخارجي على الاستقلالية القضائية والسياسية في إسرائيل. الرسالة، التي اقترحت ما يمكن اعتباره عفوًا مبكرًا لنتنياهو، لم تكن مجرد إشارة ودية أو دعم سياسي، بل حملت معها ضغطًا سياسيًا شديدًا في توقيت حساس، يفرض على هرتسوغ وأجهزة الدولة التعامل مع موازنة دقيقة بين القانون، السياسة، والرأي العام، وهو ما يضع إسرائيل أمام اختبار حقيقي لمصداقية مؤسساتها.
ما يجعل هذه القضية أكثر تعقيدًا هو أن صلاحية العفو في إسرائيل ترتبط بالأساس بمن صدرت ضدهم أحكام قضائية نهائية، وهو ما يمثل حجر الزاوية في النظام القانوني الإسرائيلي. بتاريخ الدولة، يذكر استثناء واحد فقط في قضية الحافلة رقم 300، حين منح رئيس الدولة حاييم هرتسوغ كبار مسؤولي الشاباك عفوًا مبكرًا، مع مصادقة المحكمة العليا بأغلبية ضئيلة، وهو استثناء نادر أقره القاضي أهارون باراك بوصفه حالة لا يمكن تكرارها، ما يضع أي محاولة لتجاوز الإجراءات القانونية في مرتبة عالية من التعقيد والمخاطرة، ويجعل القضية الحالية اختبارًا لمصداقية النظام القانوني نفسه.
الركائز القانونية
تشرح برسكي أن أي صفقة عفو تتجاوز الخطوات القانونية التقليدية تشكل خطرًا جوهريًا على هيبة المؤسسات في إسرائيل، إذ أنها لا تنقل الرسالة بأن القانون فوق الجميع، بل تعطي صورة عن إمكانية تجاوز القضاء بمباركة القوة السياسية، خصوصًا إذا كان المستفيد من الصفقة هو شخصية بارزة مثل نتنياهو. هذه الحالة تمثل اختبارًا لمستوى استقلالية القضاء أمام الضغط السياسي الداخلي والخارجي، وتوضح أن المقترحات الأمريكية ليست مجرد نصائح، بل أدوات للضغط السياسي المباشر، وهو ما يضع الرئيس هرتسوغ في قلب معضلة أخلاقية وقانونية معقدة، بين الدفاع عن سيادة القانون وضغوط التحالفات السياسية.
في المقابل، يبرز النموذج البديل الذي اقترحه البروفيسور أهارون باراك، وهو منح العفو المشروط على الاعتراف بالخطأ، والانفصال عن الحياة السياسية، والتعبير عن الندم، ما يحافظ على الالتزام القانوني مع منح فرصة لتخفيف العقوبة. هذا النموذج يوضح أن القانون يمكن أن يكون صارمًا، لكنه يسمح بتسوية متوازنة، ويضع الأسس لصفقة سياسية قانونية، بعيدًا عن التجاوزات التي قد تقوض سيادة المؤسسات وتضعف ثقة الجمهور في نزاهتها.
نموذج العفو
يشير المقال إلى أن نموذج ترامب المقترح يختلف جذريًا، إذ يقترح عفوًا بدون اعتراف أو ندم أو دفع ثمن سياسي ظاهر، ما يحوله إلى أداة سياسية بحتة وليس قانونية. هذه الخطوة، وفق برسكي، تمثل تدخلًا خارجيًا صارخًا في شؤون داخلية إسرائيلية، ويطرح أسئلة حول توازن القوى بين الدولة والمؤسسات الأجنبية، إذ أن مثل هذا الاقتراح يمكن أن يؤدي إلى إحساس بانتهاك السيادة الوطنية، ويجعل هرتسوغ ونتنياهو أمام مأزق يتطلب حسمًا بين الحفاظ على المبادئ القانونية أو الرضوخ للضغط السياسي الخارجي.
إن الخطر الأكبر في هذا النموذج ليس فقط قانونيًا، بل يتعداه إلى الأبعاد السياسية والدبلوماسية، إذ يمكن أن يُفسر هذا العرض على أنه رسالة للرأي العام بأن النظام القضائي قابل للتجاوز بالقوة السياسية، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية بالمؤسسات، وإحداث صدام بين الرأي العام والقيادة، بين المتظاهرين على جانبي الطيف السياسي وبين السلطة، مما يضع هرتسوغ في موقف حساس للغاية ويكلفه قرارًا ذا تأثير بعيد المدى على الدولة ومستقبلها السياسي.
التاريخ عبر الحافلة
تذكّر برسكي بأن قضية الحافلة رقم 300 توضح كيفية التعامل مع استثناءات العفو في إسرائيل، حيث يمكن منح صفقة محدودة حتى مع وجود وقائع مثبتة. في حالة نتنياهو، توجد وقائع غير قابلة للجدل تتعلق بالاتصالات بموقع "والا" والهدايا، لكن الجدل القانوني يدور حول التفسير، ما يجعل هذه الملفات أرضية خصبة لتطبيق ما يمكن تسميته بـ"معادلة عفو مخففة".
هذا السياق التاريخي يبرز أنه رغم إمكانية اعتماد مثل هذه الصفقات، فإن أي خطوة خاطئة قد تؤدي إلى تفجير الرأي العام، إذ سيواجه المتظاهرون، سواء من اليمين أو اليسار، هرتسوغ والمحكمة العليا كأهداف مباشرة للضغط، وهو ما يضاعف المخاطر السياسية للشخص الذي يسعى للموازنة بين القانون والسياسة.
الأبعاد الدولية
تخلص برسكي إلى أن الرسالة الأمريكية إلى هرتسوغ ليست عفوية، بل جزء من تهيئة الرأي العام والتحكم في السياق السياسي، مع محاولة استثمار النفوذ الأمريكي للضغط على المؤسسات الإسرائيلية. هذا النوع من التدخل قد يحوّل الاستقلال القضائي إلى التزام سياسي، ويجعل أي قرار بالعفو يحمل أبعادًا استراتيجية ودبلوماسية تفوق بكثير كونه إجراء قانونيًا داخليًا، مما يضع إسرائيل أمام اختبار صعب في موازنة سيادة القانون ضد التدخل الخارجي، ويجعل القرار شخصية وهامة، تتحمل تكاليف سياسية وشعبية كبيرة.
خيارات هرتسوغ
تنتهي برسكي بالتأكيد أن الرئيس الإسرائيلي أمام خيارين: إما الالتزام بالقواعد القانونية وحماية استقلال القضاء، وإما الانجرار وراء الوحدة السياسية التي قد تسمح لنتنياهو بالعودة دون دفع الثمن السياسي، ما قد يؤدي إلى تآكل ثقة الجمهور بالمؤسسات. أي قرار سيتخذه هرتسوغ سيكون اختبارًا لمصداقية الدولة واستقلالها أمام الضغوط الداخلية والخارجية، وسيحدد شكل العلاقة بين السياسة والقانون في إسرائيل لسنوات مقبلة.










