يتعامل وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان مع تعهّد الإدارة الأمريكية بدعم مسار يقود إلى إقامة دولة فلسطينية خلال خمس سنوات بوصفه الركيزة الأساسية في التفاهمات الجديدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما يعكس انتقال هذا الملف من مجرد مطلب سياسي إلى عنصر مركزي في رؤية السعودية للمنطقة.
لماذا يهم الأمر؟
لأن هذا الطرح يغيّر قواعد اللعبة الإقليمية: لأول مرة تربط الرياض بوضوح بين الانضمام إلى “اتفاقات أبراهام” وبين وجود ضمانة أمريكية لمسار سياسي نحو الدولة الفلسطينية، فيما تتعامل إسرائيل مع هذه الإشارات على أنها تصريحات غير ملزمة، وهو ما يفتح الباب لصراع تأويلات سيحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
ما الذي يحدث؟
يرى المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، اليوم الخميس، أن ابن سلمان يستند إلى مخرجات لقائه الأخير مع ترامب، وإلى الرسائل العلنية حول “مسار واضح” نحو الدولة الفلسطينية، ليبني عليها توقعًا بأن واشنطن لن تتراجع عن هذا الالتزام خلال السنوات الخمس المقبلة. وتتعامل الرياض مع هذا الالتزام كجزء أساسي من رؤيتها السياسية، في لحظة تسعى فيها المملكة لإعادة صياغة موقعها في المعادلات الإقليمية الكبرى. وتُقابل هذه الرؤية بتفسير مختلف داخل إسرائيل، حيث يجري التعامل مع التعهّد الأمريكي – السعودي باعتباره موقفًا سياسيًا عامًا لا يحمل صفة الإلزام أو المواقيت الدقيقة.
وفي أعقاب هذه المباحثات، أوضح ابن سلمان لمسؤولين في واشنطن أن القوة الدولية المقترح نشرها في غزة بعد الحرب لن تضم أي جنود من دول عربية أو مسلمة. وبرّر ذلك بأن وجود قوات مسلحة مسلمة داخل القطاع سيضعها في مواجهة مباشرة مع حركة حماس، وهو أمر ترى الرياض أنه غير ممكن سياسيًا أو دينيًا. ويطرح هذا الموقف سؤالًا جوهريًا حول الجهة التي ستتولى التعامل مع حماس ميدانيًا، خاصة مع طرح احتمال أن تتحول القوة الدولية – إن تشكّلت – إلى هيكل محدود القدرة، بما يشبه التجربة التي يعيشها جنوب لبنان.
ما وراء الكواليس:
زيارة ابن سلمان إلى واشنطن وُصفت في الأوساط الإسرائيلية بأنها “زيارة انتصار”، لما حملته من ثقل سياسي وإعلامي يكشف عن تحوّل في مكانة السعودية داخل الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط. ويعتبر المراقبون أن رؤية وليّ العهد تمتد إلى ما هو أبعد من غزة، لتشمل إعادة صياغة مكانة السعودية ودورها الإقليمي وعلاقتها بإسرائيل والولايات المتحدة في سياق عالم يتجه نحو تعددية قطبية أوسع.
وخلال اللقاء الذي جمعه بترامب، وعلى وقع استعداد واشنطن لتزويد الرياض بطائرات F-35، جرى الحديث بشكل مباشر حول جهود إدماج السعودية في “اتفاقات أبراهام”. وقد عبّر ابن سلمان عن رغبة مزدوجة تجمع بين الانضمام إلى هذه الترتيبات الإقليمية وبين ضمان مسار واضح نحو الدولة الفلسطينية، وهو ما يربط للمرة الأولى بين التطبيع وبين استحقاق سياسي فلسطيني محدد بسقف زمني.
ما الذي يدفع الخبر؟
أعلن ترامب للصحافيين أن السعودية ستحصل على مقاتلات F-35 من النوع ذاته الذي تمتلكه إسرائيل، ووصف المملكة بأنها “حليف رائع مثل إسرائيل”، مؤكداً أن تل أبيب ستكون “سعيدة جدًا” بالصفقة. ويأتي هذا رغم القلق الإسرائيلي التقليدي من أي خطوة قد تؤثر على التفوق العسكري النوعي الذي تتمسك به في المنطقة. وفي موازاة ذلك، أعلنت واشنطن التوصّل إلى اتفاق دفاعي أوسع يشمل بيع نحو 300 دبابة للرياض، ما يعكس طبيعة التحالف الأمني الذي يسعى ابن سلمان لترسيخه.
وفي ملف “اتفاقات أبراهام”، قال وليّ العهد بشكل مباشر إن السعودية ترغب في الانضمام إلى الاتفاقات، لكنه شدد على ضرورة ضمان مسار واضح يقود إلى قيام دولة فلسطينية، مؤكدًا أن المملكة تؤمن بحل الدولتين وبالسلام “للإسرائيليين والفلسطينيين”. وهذا التصريح يضع السعودية في موقع مشابه للولايات المتحدة لكنه مختلف عن الموقف الإسرائيلي الذي يرفض ربط التطبيع بأي التزام سياسي للفلسطينيين.
نظرة أوسع:
تأتي هذه الزيارة بعد أقل من 24 ساعة على مصادقة مجلس الأمن على القرار الأمريكي لاعتماد خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، والذي تضمّن لأول مرة مسارًا مباشرًا نحو الدولة الفلسطينية. وصوّت لصالح القرار 13 عضوًا، فيما امتنعت روسيا والصين، ليصبح قرارًا دوليًا يحمل الرقم 2803. وقد اعتُبر القرار تمهيدًا سياسيًا لمرحلة جديدة تعيد إدراج القضية الفلسطينية في جدول الأولويات الدولية بعد عام كامل من الحرب.
وتشير مجمل التحركات السعودية إلى أن ابن سلمان يسعى لاقتناص اللحظة الدولية لفرض رؤية جديدة للعلاقة بين التطبيع وبين التسوية السياسية، بما يجعل السعوديين لاعبًا لا يمكن تجاوزه في صياغة مستقبل غزة ومستقبل العلاقة العربية – الإسرائيلية، وليس مجرد طرف داعم من الهامش.
الواقع:
يوحي المشهد بأن التفاهمات السعودية – الأمريكية أصبحت واحدة من أهم محركات السياسة الإقليمية في المرحلة الراهنة. فالرياض تربط التطبيع بضمانة واضحة للدولة الفلسطينية، وواشنطن تستثمر هذا المسار لإعادة هندسة علاقاتها في المنطقة، فيما تراقب إسرائيل بقلق مسارًا قد يعيد فتح ملف الدولة الفلسطينية بقوة دفع جديدة، لم يكن أحد يتوقعها قبل أشهر قليلة.










